أوشو والنجاة من المحنة الكونية

الخميس 2017/12/14

على نحوٍ غير مسبوق انتشرت في السنوات الأخيرة في البلاد العربية كُتب الروحاني الغورو الفيلسوف الخطيب المتحدث الهندي تشاندرا موهان جاين المعروف بـ”أوشو” وشاعت أفكاره الروحانية بطريقة لافتة واكتسب شهرة كبيرة في الثقافة العربية لا نقول إنها مجانية في الأحوال كلها، فالرجل لديه رصيد محلي في كل الهند ورصيد غربي آخذ بالاتساع والانتشار ولديه أتباع في كل أنحاء العالم.

أوشو السهل الممتنع أستاذ الفلسفة صاحب مذهب روحاني متأثر بمذاهب كثيرة كالصوفية والزن والتانترا والميرا والفيدانتا والسامخيا، وهو أول روحاني في العالم يكتب كتابا ضخما عن “النبي” لجبران خليل جبران يناقش فيه أفكار جبران بطريقة متمكنة وحضارية ورائدة في ميدانها ولا يخفي إعجابه بهذا الأثر العربي حينما تناوله بعمق.

أوشو معلم الجنس بلا منازع كما يطلقون عليه حينما دعا إلى الانفتاح على العلاقات الجنسية وتوطيد الحياة الزوجية عبر هذا الرابط الحيوي المهم، فمحاضراته وأبحاثه في هذا الصدد كثيرة ووافية ولا سيما في كتابه الممتع جدا “التانترا” مثلما هو مجدد للكثير من التفسيرات الدينية والصوفية بطريقة الانفتاح الواعي على الأديان مهما اختلف معها في طروحاتها وتقاليدها وسننها، فالتأمل خاصية تشترك فيها تقريبا كل الأديان الروحية التي ترى في العقل طريقا للتحليل والجدل بدلا من التعصب وكراهية الآخر. وهكذا كانت تعاليمه تؤكد على التأمل الواعي والحب والجمال والشجاعة والإبداع والتخلص من العُقد الحياتية مهما كانت ضارية ومركّبة. لذلك اجتاحت مثل هذه التعاليم المنفتحة العالم الروحاني الغربي وتمركزت في الكثير من أفكاره وأنشئت مراكز بحثية كثيرة في دراسة أفكار أوشو الضاربة في الروح الاجتماعية والحياتية بالشكل الذي يسمح لها أن تنتشر من دون عوائق لا سيما وهي تدعو إلى السلام الروحي للأديان بروح إيجابية تأخذ من الآخر وتعطي إليه.

مثل هذه الثقافة الدينية السمحة كانت ولا تزال تنظر إلى أن منظومة الأديان بمختلف تسمياتها سببت الكثير من المكبوتات الاجتماعية بسبب ثوابتها القديمة وبالتالي انعكست على الحالة النفسية العامة وشكّلت عُقدا كبيرة في التواصل مع الغير الذي يمتلك مثل هذه الأسباب ليعزل نفسه وبالتالي تسبب بانغلاق العديد من النوافذ مع الآخر- الديني الذي لا تخلو الحياة منه.

وإذا ما كان أوشو مثالا للتسامح الديني والجدلي النابض بالحيوية والثقافة الموسوعية بحثا ونثرا وشعرا وفلسفة وتاريخا وفلكا وعلما متفاعلا مع مستجدات الحياة بكل صغيرة وكبيرة، فإن منظومتنا الدينية العربية تكاد تفتقر إلى هذا الجانب إلى حد ما، ومع وجود علماء دين يضعون ثقافاتهم على محك الواقع ويتفاعلون معه بجدلية ممكنة، لكن هذا ضعيف نسبيا ولا سيما بعد المتغيرات التي أحدثتها ما يسمى بثورات الربيع العربي، حيث تشكلت رؤى جديدة ليست من الدين بشيء فكثر المحرّضون وغاب التسامح الديني والطائفي وعمّت الفوضى كل الشرق الأوسط، وخضعت بلادنا العربية الى أسوأ فترة من فتراتها في هذا الجانب الحيوي من حياة الإنسان فيها.

أوشو ظاهرة خرجت من محليتها الدينية الى آفاق عالمية أكثر اتساعا وشمولية، وناقش أفكارا لم يجرؤ أحد على مناقشتها علنا وصراحة، بوصفها من الثوابت الثقافية في المجتمعات، لكنه فتّت أركانها الضعيفة وأوضح الكثير من الملابسات في الفهم الديني الضيق والفهم الاجتماعي الذي سار على منوال الديني عقودا طويلة، ليقف بالتالي في صف المفكرين المتنورين الذين يطمحون إلى إعادة الحياة إلى فطرتها الطبيعية من دون تكلف أو سوء فهم أو مغالاة في التفسير، وهكذا ضمن لنفسه قاعدة كبيرة جدا في الغرب الروحاني الذي استنار بمفاهيمه وآرائه وتتبّع خطاه واستكان إلى الكثير من طروحاته وشروحاته وفلسفته العميقة بأن الأديان كلها إنما هي لإنقاذ الإنسان من محنته الكونية.

كاتب عراقي

14