أوطانهم الأندية وعقيدتهم التشجيع ولا مكان للسياسة

الثلاثاء 2017/06/20
انتماء للفريق

المبادئ التي أقرتها جميع روابط الإلتراس قبل التأسيس تشير إلى أنه “لا وقت للسياسة”، وربما يكون تعامل أفراد هذه المجموعات مع ناديهم المفضل على أنه وطن ينتمون إليه هو السبب في توجيه سهام النقد إلى هؤلاء، واتهامهم بالإفراط والمغالاة في التشجيع.

نعم إنه “الإفراط” ولا شيء غيره، فكلمة إلتراس هي كلمة مشتقة من الكلمة الإنكليزية أولترا “ultra”، وتعني الشيء الزائد عن الحد، وهو تعبير عن عشقهم للنادي الذي يشجعونه بحرارة، ويستخدمون في ذلك كافة الوسائل، من ألعاب نارية، وأغانٍ ألّفوها خصيصا للفريق، بخلاف اللافتات والقمصان المطبوع عليها شعار النادي.

خيط رفيع يفصل بين التشجيع والتطرف، وهو ما يجب على القيادات الرياضية العربية تفهمه إذا أرادت تحسين العلاقة مع مجموعة من الشباب تطالب فقط بالحرية في تشجع فريقها، لذلك فإنه لا بديل عن لغة الحوار مع هؤلاء واستغلال طاقاتهم في أعمال رياضية إيجابية، ربما تتعلق بتنظيم المباريات مثلا.

عدم الوصول إلى حوار مع المنتمين إلى الإلتراس، كان سببا في أزمات كثيرة تنتهي بإلقاء القبض على بعضهم أو الدخول في مشاحنات مع جهات الأمن، ما يترتب عليه اتهامهم بتعمد البلطجة وإثارة القلاقل، وهو ما تنفيه قيادات تلك الروابط ويشددون على أنهم لا يخرجون عن الأطر التشجيعية.

كما أنهم يعتقدون أن التعامل السيء معهم من قبل أفراد الأمن هو الدافع وراء رفعهم لافتات تندد بممارسات الأمن، ولو لم تحدث تجاوزات في أثناء عمليات التفتيش أو طرق التعامل معهم عند دخول المدرجات ما كان للافتات المسيئة أن تتواجد.

الراسخ في فكرة تأسيس الإلتراس التشجيع فقط لا غير، وربما اتخذت وسيلة لمحاربة الكبت وإخراج طاقات كامنة بداخل افرادها عن طريق الصراخ والتشجيع طوال مدة المباراة، فعقيدة الإلتراس تقول إن النادي هو الوطن، على الرغم من أن معظمهم ليسوا أعضاء في النادي، ويبدو هنا أن فكرة العلاقة بالنادي تتمثل في الحب والوفاء وهو شعار ينادون به في كل المحافل، حيث يقولون “فكرة وجمعتنا أساسها الانتماء.. وكل فرد فيها يتعلم الوفاء”.

الوفاء يكون دون أي مقابل، فما الذي يدفعهم لقطع مسافات طويلة لمؤازرة النادي سواء داخل حدود الوطن أو خارجه وتكبد الأموال الطائلة التي يجمعونها من بعضهم البعض في شكل اشتراكات سنوية؟ وهناك أموال أخرى يحصلونها من بيع القمصان الخاصة بالرابطة أو الأسطوانات المدمجة التي تحمل أغانيهم.

الإلتراس ليس فصيلا يسعى إلى تحقيق أهداف سياسية، حتى لو حاول البعض توظيفهم لأهداف سياسية، ودائما تحارب مجموعاته أي طابع سياسي وتؤكد عدم تأييد فصيل سياسي بعينه، وأنها فقط جماعة تسعي إلى تشجيع ألوان ناديها، وكثيرا ما امتنعت تلك المجموعات عن المشاركة في التظاهرات السياسية.

ابتعاد قيادات أو أفراد تلك الروابط عن وسائل الإعلام دليل آخر على عدم الرغبة في التعبير عن موقف سياسي، وعلى أنها جماعة غير سياسية لا هدف لها سوى الوفاء الدائم لناديها، على عكس جماعات أخرى تستخدم الإعلام لنشر قضيتها ومبادئها وتكوين لوبي إعلامي لتحقيق أهدافهم.

كذلك لا يمكن القول إن روابط الإلتراس تسعى إلى تحقق مصالحها الشخصية، كأي حزب أو جماعة سياسية، لقناعتها التامة بضرورة إنكار الذات في مقابل المجموع، وتتضح أهمية إصرارها على الابتعاد عن السياسة من خلال رفض الانسياق وراء شخصيات تحاول تحقيق مكاسب محددة.

صحيح أن البعض من المولعين بالسياسة ينظرون بشك إلى تلك العقيدة، فيتهمون الإلتراس بأنهم جماعة “فاشية” تؤمن بالجماعة وتقلل من شأن الفرد، إلا أن هذا غير صحيح لأنها تجعل الفرد سببا في تحقيق نجاح المجموعة، فالحركة الديناميكية التي يتبعها كل فرد في تشجيع الفريق عملية مستمرة لتحفيز الفريق في الملعب وتمجيد إنجازاته والدفاع عنه ضد منافسيه.

الخلاف الدائم بين الإلتراس والحكومات التي تعتبرها جيلا مخربا منشقا، وتتهمها بالانتماء إلى فصيل سياسي وتلقي تمويلات واستغلالهم في تحقيق مآرب ضد الدول، يكمن في رفض الوصاية الأبوية عليهم، وهذا الرفض جزء أصيل من مبادئ هذه الروابط، بدليل عدم اتباع قيادات الأندية التي تحاول دائما فرض أطر معينة عليها.

12