أوقفوا الحرب.. لقد اتفق الكبار

الثلاثاء 2014/01/07

تقول الرسائل التي وجّهتها مؤخرا دول عظمى إلى الأطراف والدول المعنية بالقضية السورية، أن مرحلة الصراع المسلح قد انتهت، وأنجزت روسيا والولايات المتحدة بالتفاهم مع الأوربيين خطة عامة لمخرج سياسي للأزمة، وتنطوي الرسائل على دعوة من يرغب بالعبور إلى المرحلة التالية أن ينحني ويدخل من البوابة المقترحة، فالمخرج المزمع الإعلان عنه في مؤتمر جنيف 2، دون سقف توقعات كافة الأطراف، خاصة المقاتلين من كلا الطرفين، وبعضهم سيُمنع من ولوج هذا المخرج أصلا، لأن مرحلة الحرب كوسيلة من وسائل السياسة قد انتهت، وبالتالي فهم خارج اللعبة حتى إشعار آخر، وسيصبح التخلص من بعضهم سواء ممن هم مع النظام أو من الثوار، أحد مطالب المرحلة التالية، بوصفهم إرهابيين دينيين أو إرهابيي دولة. ورغم أن الحرب في سوريا لم تستنزف بعد كل طاقة القوى المتصارعة، إلا أنها أوشكت على استنزاف وظيفتها كأداة بين المتنافسين الداخليين والخارجيين، وأصبحت تهدد بالخروج عن السيطرة، ويحتمل أن هناك تهديدا كبيرا للأمن العالمي قد ظهر تحت الدخان الأسود الكثيف للحرب هناك، وآن الأوان لتدميره قبل أن يتفشى.

لقد رسَّمت الحرب في سوريا حدود قوى اللاعبين اليوم على مسرح الشرق الأوسط والعالم، ومن النتائج المفاجئة للبعض، اكتشاف ضعف النظام السوري، الذي صورته آلته الإعلامية كقوة ضاربة ورقم صعب في المنطقة. كما كشفت هذه الحرب عن مدى قوة روسيا بوتين بعد عقدين من الضعف تلت انهيار الاتحاد السوفياتي، وتراجع نفوذ وقوة الولايات المتحدة الأميركية كقوة كوكبية، بشكل غير مسبوق منذ بداية عهد ريغان في الثمانينات.

التسوية السورية التي تعدُّ في المطبخ الدولي سوف تصاغ وفق هذه النتائج مع عناصر أخرى لم نتطرق إليها، وأولها إزاحة النظام السوري بواجهته الحالية منتهية الصلاحية، لكن إعادة تأهيل النظام عموماً بحيث لا تفقد روسيا نفوذها في سوريا المستقبلية، هذا النفوذ لا يلزمها هي بذاتها، إنما تحتاجه في مقايضاتها ومساوماتها المربحة مع إيران ودول الخليج العربي، فروسيا البوتينية ذات التطلعات الإمبراطورية، ليست متهالكة بحيث تبيع موقعها السوري لأي فريق ومقابل أيما ثمن. وهي لهذا السبب تسعى للتفاهم مع المعارضة السورية ممثلة بالائتلاف، ليس لمساومته على بشار الأسد أو لتبادل التصريحات النارية، بل لضمان دورها المستقبلي من خلال دفع شخصيات موالية لها في جسد النظام الجديد. وتعتبر إقالة النظام السوري لقدري جميل، نوعا من الإدانة الضمنية للسياسة الروسية تجاه نظام الأسد، التي بدأت براغماتيتها تتوضح مع اقتراب موعد انتهاء ولاية بشار الأسد دستوريا في الصيف المقبل.

وبينما تم التفاهم بين أميركا وإيران، حول التسوية المرتقبة، بتقديم نوع من التنازلات في الملف النووي، برعاية ودفع روسي بالدرجة الأولى، لازال التفاهم بين السعودية وروسيا موضع شك، فالسعودية تريد إسقاط النظام عسكرياً وإحلال المعارضة محله، وهو ما لا يستوي مع المنطق الروسي، فأي نفوذ يستطيع الروس أن يمارسوه على إيران والخليج بعد ذلك؟

لذلك تدفع الولايات المتحدة بالائتلاف السوري، الذي يصغي جيدا لما يقوله السعوديون، باتجاه تسوية من طرفهم مع الروس لتجاوز هذه العقدة، مستخدمين سياسة العصا والجزرة، فالأسد لن يبقى في منصبه لكن شكل النظام الذي سيخلفه سيقرره من سيقوم بإزاحته، أي روسيا وأميركا، ولابد أن يأتي متوافقاً مع مصالحهما وإرادتيهما.

هذه الطبخة التي يحاول إنضاجها اليوم ثلاثة رجال هم وزير الخارجية الأمريكي كيري، ونائب وزير الخارجية الروسي بوغدانوف والأخضر الإبراهيمي، قد تبدو لكثير من المتابعين طبخة حصى، فالواقع العسكري في سوريا باتجاه آخر، قد لا تقوى الإرادة الدولية على تحويلها عنه بروافعها الحالية، من دبلوماسية ووعود وتلويح بتعويضات وإعادة إعمار. فلا بشار الأسد مستعد للانصياع للمشيئة الروسيّة، وإحلال آخرين محله في خدمتها حتى لو قُطعت عنه إمدادات السلاح والذخيرة، بل حتى لو هدّدت بالتصويت ضده تحت الفصل السابع في مجلس الأمن، ولا جيشه ولا طائفته يمكنهم أن يثقوا بوعود الحلف الدولي بحمايتهم من الانتقام، وإلقاء السلاح أو تسليم الترسانة التي خزنوها في الساحل السوري تحسبا لهزيمة ما، ولا الثوار الذين بلغوا قصر رأس النظام سيقبلون بهذا الصلح والامتثال لرغبة السياسيين والمعارضين في الائتلاف وغيره ودعوتهم لتسلم السلطة بصيغة التدرج المطروحة. بل لا يبدو أنهم في وارد السماح لرأس النظام ومن معه بالهرب والنجاة بأنفسهم. أكثر من ذلك، يبدو جزء منهم ماض في تحديه الأخطر: السعي إلى إقامة دولة إسلامية.

الدعوة الى وقف الحرب على النظام وفتح معركة الحرب على الإرهاب بشقيه الديني وإرهاب الدولة تبدو خياليّة، أو تنذر باستمرار الحرب والخراب في سوريا، إلا إذا كانت قد أردفت بخطَّة للتدخل العسكري الخارجي، المعلن أو الخفي، والذي يبدأ من التهديد باغتيال بشار الأسد إذا ما أصرَّ على البقاء في السلطة، ولا تنتهي بتدمير تجمعات الإسلاميين عبر الضربات الجويّة


كاتب وطيار سوري منشق

9