"أوكتاجون" قاهري: معرض يحتفي باتجاهات النحت والتصوير المعاصرة

تجارب تشكيلية طليعية لفنانين ينتهجون الجرأة في التكنيك وآليات الطرح والتعامل مع الخامة.
الأحد 2018/09/09
القلوب النابضة والحياة الخصيبة والدفء العائلي في تجربة صلاح المر

جاءت فكرة إقامة معرض لثمانية فنانين في القاهرة، انطلاقا من أيقونة “الأوكتاجون”، ذلك الشكل الهندسي المثمّن؛ متساوي الأضلاع والزوايا الداخلية، وتبدو تجاربهم الخصبة في النحت والتصوير بمثابة أضلاع الحياة وجوانبها المتعددة الوافية.

يستمد معرض “أوكتاجون” في غاليري مصر بالزمالك (29 يوليو – 2 سبتمبر) طاقته ووهجه من خصوبة الأعمال التي يتضمنها وثرائها وزخمها، وجرأتها في التكنيك وآليات الطرح والتعامل مع الخامات المستعملة في التصوير والنحت.

ينفلت المعرض من قيود الثيمة والموتيفة، إذ لا تندرج الأعمال المشاركة تحت سقف لون فني محدد أو موضوع بعينه، بما يعطي مجالا أوسع لكل فنان للتعبير غير المشروط، وهذا بحد ذاته هو المحور البديل الذي يتشبث به المعرض، إذ يصير معرضا للجرأة والانطلاق والحرية وتغذية الفنون البصرية.

أما عنوان المعرض “أوكتاجون”، فلا يعني بأي شكل من الأشكال مضمونا هندسيّا أو التفافا من الفنانين حول اتجاه ما يعتمد الرياضيات، فهو مجرد إشارة مبسّطة إلى أن هناك ثمانية فنانين يشكلون أضلاع المعرض، ويحصل كل منهم على فرصة تعادل فرصة رفاقه في ترك بصمته وإضافته، لتكون المحصّلة حياة كاملة في أروقة المعرض، تصنعها يد الفن الساحرة.

ينطلق الفنان محمد عبلة (65 عاما) بألوان الأكريليك على الكنفاه ليصنع مغامراته المدهشة المحمّلة بالبراءة والبساطة واستشعار نبض الخامة. وفي تصويره مباني المدينة المتلاصقة بجدرانها وأسقفها الإسمنتية، فإنه يتحسس البشر وروح الطزاجة الكامنة في قلب البيوت لتمنحها خصوصيتها ودفئها.

ينتصر عبلة للانزياحات الفطرية خارج قوانين اللعبة التشكيلية الخرساء، بالدرجة نفسها التي ينتصر بها للإنسان الأول في معركته التي يخوضها في العالم الصناعي والحياة الآلية، فدائما يقول الإنسان “أنا هنا.. أتنفس وأتحرك”، ولا يغيب الإنسان “موضوعا” عن الحالة وإن لم يظهر “شكلا” في العمل الفني على هيئة ملامح جسدية.

تأثرات نجيب معين تحيل إلى التراث الإسكندري القديم منذ الإسكندر الأكبر والبطالمة
الكائنات والأشياء سواء في حالات الانصهار التي يبتدعها إسلام زاهر

ويتنقل الفنان صلاح المر، المولود في الخرطوم عام 1966، بين مروج الطفولة، مستحضرا صور الأشجار الخضراء والأنهار المتدفقة وعطور الغابة السحرية وحالات “الونس” التي يعيشها البشر في المجتمعات الحميمية الدافئة.

ما وراء الجبال والتلال، هناك دائما قلوب تنبض، وحياة خصيبة بريئة قوامها العائلة، وهناك لون من ألوان “الاحتضان” يبدع صلاح المر في تصويره باتزان نفسي على الكنفاه بألوان الأكريليك المشبعة بالحرارة والوهج.

وإلى عالم النحت، حيث ينطلق بالحرية ذاتها الفنان نجيب معين (37 عاما)، كاشفا عن أسرار الخشب والخزف، إذ يتفاعل الفنان مع الخامة بأصابع عازف بيانو، ليتمرد المجسّم على صلابته وسكونيته، ويكتسب أبعادا إنسانية عامة، تخص البشر جميعا في كل زمان ومكان.

يتنقل نجيب معين بين العصور التاريخية، مستوحيا الكثير من التأثرات التي تحيل إلى التراث الإسكندري القديم منذ الإسكندر الأكبر والبطالمة، كما يستعيد أساطير اليونانيين ورموز الحضارات القديمة في تكويناته التي يعطي المرأة فيها دور البطولة في الكثير من الأحيان، باعتبارها أمّا وشريكة حياة وصانعة أمجاد.

وبخيال بركاني، وقدرة على استشفاف التفجيرات في داخل الإنسان وبطن الأرض على السواء، يقدم الفنان إسلام زاهر (46 عاما) تصوراته البصرية عن تفاعلات الذات والعالم بألوان الزيت على الكنفاه، خالقا طقوسا سحرية موازية، ينتمي بعضها إلى الماضي أو المستقبل، وبعضها يعيشه البشر حقيقة وافتراضا.

يلغي زاهر الحدود الفاصلة بين الحيوي النابض وبين الجماد، فالكائنات والأشياء سواء في حالات الانصهار التي تتشكل فيها الموجودات بقوانين خاصة يبتدعها الفنان. وتكتسي الأعمال بدرجات البنيّ والأحمر مزدهية بأعلى درجات الاشتعال.

تأثرات نجيب معين تحيل إلى التراث الإسكندري القديم منذ الإسكندر الأكبر والبطالمة
تأثرات نجيب معين تحيل إلى التراث الإسكندري القديم منذ الإسكندر الأكبر والبطالمة

وتأتي تركيبات النحات حازم المستكاوي (53 عاما) من الكرتون والورق المقوى والمعاد تدويره لتقدم مقترحا جماليّا خاصّا لصياغة العالم وفق هندسة ذاتية تنبني على التصوف والتجريد وصفاء الرؤية، ويستفيد الفنان من تجليات العمارة الإسلامية وفنون الخط العربي وكتابة الحروف في تكوين فلسفته البصرية.

ويتعامل النحات محمد رضوان (48 عاما) مع خامة الخشب كذلك، مبديا حرصا على تمثيل الوجوه البشرية، والجسد الأنثوي. ويخلص الفنان المرأة من تفاصيلها الزائدة، معتمدا التكثيف منهجا للتركيز على الانفعالات والمشاعر والهواجس الداخلية التي تهيمن على الشكل.

ويستحضر الفنان إبراهيم الدسوقي (49 عاما)، في أعماله التي يصورها بالباستيل على الورق، أجواء الوديان والمناظر الريفية والصحراوية، وما يمكن تسميته بالطبيعة الصامتة، بما يسمح بفيوضات من التأملات المتعمقة، خصوصا مع الزهد في الألوان، والاكتفاء بتدرجات الأضواء الخافتة والظلال، ما يجعل الطبيعة ترجمة أمينة للمساحات والمسطحات الكامنة في النفس الإنسانية.

ويمزج الفنان عمرو الكفراوي (38 عاما) بين تقنيات الرسم والتصوير الفوتوغرافي والطباعة على الورق المقوى والمعاد تدويره، وتنشغل أعماله بمفهوم المدينة، وتأثيرات الحياة العصرية على الإنسان، ذلك الكائن الذي كاد ينقرض من فرط معاناته واغترابه.

معرض “أوكتاجون”، حالة مثمرة من حالات التحقق البصري الرشيد، بألوان الطيف الفنية المتعددة، وسط مستجدات عصرية مدمرة، تؤذي الحواس وتعطل الخيال، وتهدد القيم الإنسانية والجمالية.

التصوف والتجريد وصفاء الرؤية لدى حازم المستكاوي
التصوف والتجريد وصفاء الرؤية لدى حازم المستكاوي

 

15