أوكرانيا أزمة عالمية عميقة

الأربعاء 2014/03/05

ربما، وبعكس ما يتصور الكثير من المتابعين للتطورات السياسية الدولية، تشكل أزمة أوكرانيا أزمة عالمية عميقة، ومن المتوقع أن تسيطر تداعيّاتها على حقل العلاقات الدولية في المرحلة المقبلة، وذلك عائد- بدرجة كبيرة- إلى طبيعة السياق العالمي الذي تحضر فيه الأزمة، والزمن الذي تحصل فيه أيضاً.

في الترجمة العملية لواقعة أوكرانيا، يبدو من نافلة القول أنها تشكل صفعة لروسيا يصعب عليها استساغتها في هذه المرحلة، ذلك أن الكرملين ذهب بعيداً في تصديقه لقصة الصعود العالمي لروسيا وانتهاء زمن القطبية الأحادية، لدرجة أن روسيا بالفعل بدأت بالإجراءات العملانية لبناء مجالها الجيواستراتيجي، التجمع الأوراسي، والذي تشكل أوكرانيا أحد أعمدته المهمة، كما بدأت روسيا بناء حواف ذلك المجال وترسيم حدوده، من البلطيق شمالاً إلى البحرين الأسود والمتوسط جنوباً، وهي تطمح إلى ضم قناة السويس إلى تلك الحدود.

لقد استثمرت روسيا بشكل ماهر ودقيق في استراتيجية الإدارة الأميركية الداعية إلى انتهاء زمن الحروب الأميركية، واتباع الدبلوماسية الناعمة للحفاظ على المصالح وتحسين صورة أميركا في الخارج، حيث انتهز الكرملين هذه الفرصة لإعادة توسيع مدى النفوذ الروسي وإعادة إحياء الحلم الامبراطوري القديم، وخاصة في المدى الآسيوي والجوار الأوروبي، وصولاً إلى المياه الدافئة في طرطوس.

غير أن الحدث الأوكراني يهدّد بقوة كل ما جرى تحصيله روسياً في الفترة السابقة، بل أنه أكثر من ذلك، يهدد بقلب معادلة الحكم المستقرة في روسيا نفسها، الأمر الذي يضع قيادات الكرملين أمام خيارات صعبة وقليلة في نفس الوقت، إذ تدرك موسكو أن التدخل العسكري المباشر والواسع على غرار ما حصل في جورجيا في العام 2008 دونه مخاطر ومحاذير، كما أن الظروف الدولية لا تسمح بمثل هذه المغامرات العسكرية في قلب أوروبا التي قد تلجأ إلى شتى أنواع الأسلحة الاقتصادية والتجارية للرد.

إضافة إلى ذلك، فإن مثل هذا التدخل، إن حصل، يوجه ضربة قاصمة إلى ركن أساسي في السياسة الروسية التي نادت وتنادي، منذ الغزو الأميركي للعراق إلى أحداث ليبيا وما يجري اليوم في سوريا، بعدم التدخل الخارجي واحترام القانون الدولي. وتجاوز هذه السياسة يفتح باب التدخل في سوريا وغيرها.

لكن موسكو تعرف أيضاً أن استمرار الأمور على هذه الشاكلة يعني إخراج أوكرانيا من مدارها وجعلها جزءاً من منظومة أطلسية تطبق على صدر موسكو، وتتسع معها البنية الاستراتيجية المعادية لها، والتي من المقدر أن يؤدي تطويرها إلى زعزعة وضع روسيا في العلاقات الدولية واستنزافها وحتى مقدمة لاختراقها، وبالتالي تصبح روسيا نفسها في مدار الاستهداف الغربي ولن يتوقف الأمر عند حدود أوكرانيا.

في المقابل تضع، أزمة أوكرانيا، إدارة باراك أوباما في مأزق خطير، ولعّل أولى ملامح تلك الأزمة تتمثل في التهديد العلني لروسيا من أي تصرف قد يؤثر على الوضع العام في أوكرانيا، وهذا في عرف العلاقات الدولية يشكل التزاما أميركيـا تجاه أوكرانيا، هي عملية بناء خط أحمر جديد قد يحتاج أوباما هذه المرّة جهودا جبارة للخروج منه، فضلاً عن كونه يشكل إهانة لروسيا ودفعها إما إلى الاستسلام والقبول بالأمر الواقع، أو الاندفاع إلى مغامرة قد تضر بالأمن والاستقرار العالميين، وفي أقل الأحوال سوءاً تدفعها إلى الانتقام عبر التحريض على إثارة المشاكل والأزمات في أوكرانيا وسوريا، كأن تلجأ روسيا إلى الدفع بخيارات التقسيم في البلدين.

كل الأدلة تؤكد أن الخيارات الجيدة قليلة في مثل هذه الأزمة.

ولكن الموقف الذي يوجد فيه أوباما، حيث يواجه تحدياً روسياً متجاسراً ويملك خيارات قليلة أو منعدمة لترجمة تهديده على أرض الواقع. واليوم، تمثل أوكرانيا تحدياً لمسؤولي الإدارة الأميركية- وتقييم أوباما للعالم- مرة أخرى. ففي قمة لزعماء أميركا الشمالية في المكسيك الشهر الماضي، قال أوباما: “إن مقاربتنا في الولايات المتحدة ليست النظر إلى هذه (الأمور) باعتبارها نوعاً من لعبة الشطرنج التي كانت سائدة زمن الحرب الباردة حيث نوجد في منافسة مع روسيا”.

غير أن انتقال بوتين السريع إلى وضع الحرب يشير إلى وجهة نظر مختلفة، وجهة نظر يحتدم فيها تنافس الحرب الباردة الذي استعمله بوتين للصعود في بلاده.

وإذ يرغب أوباما في نشر الاستقرار، حسبما أفادت صحيفة “نيويورك تايمز” نقلاً عن مصادر أميركية داخلية، إلا أن الرئيس الأميـركي يعتبر أوكرانيـا مجرد أزمة تجب إدارتها، لا فرصة لتغيير مسار يزداد استبداداً في المنطقة بالسماح للأوكرانيين بتحقيق حلمهم بالانضمام إلى الغرب وعرقلة حركة روسيـا الاستعماريـة الجديدة.

هل يلجأ الرئيس الروسي إلى استراتيجية القضم حتى لا يثير الغرب، بمعنى أن يذهب إلى تجزئة هجومه وتنويعه عبر تكتيكات سياسية تعمل على تجزئة المشكلة إلى قطاعات عديدة، قواعد روسية، وأقليات، وسداد ديون، بهدف إغراق الغرب في بحر مشاكل أوكرانيا، كما فعل ذلك في سورية؟

وهل يملك الغرب رفاهية الهزيمة في أوكرانيا، وتعريض نفوذه وسمعته للخطر أمام الصلف الروسي؟ لا شك أن الأيام القادمة ستكون حبلى بالمفاجآت، ذلك أن أوكرانيا تمثل صراع إرادات من النوع العميق والخطير والذي يغري باللعب على حافة الهاوية.


كاتب سوري

8