أوكرانيا اختبار لتعامل بوتين مع محاولات التطويق الأميركية

الأربعاء 2014/05/14
روسيا مصممة على تحدي أميركا والغرب باستيلائها على القرم والتوجه نحو تقسيم أوكرانيا

واشنطن - في ظل المتغيرات الجيوسياسية على الساحة الدولية وأبرزها الصراع الدائر في سوريا في منطقة الشرق الأوسط وتصاعد مجرى الأحداث في أوكرانيا على الصعيد الأوروبي، تحاول الولايات المتحدة التفرد بلعب أكبر دور في التعاطي مع هذين الملفين، لمواجهة روسيا الخصم السياسي التقليدي، وهو ما كان محور دراسة بعنوان “أوكرانيا: اختبار لغلبة بوتين على محاولات الاستدراج والتطويق الأميركية” والصادرة عن مركز الدراسات الأميركية والعربية.

تناولت العديد من الأبحاث التحول في استراتيجية الولايات المتحدة السياسية تجاه أكبر القضايا المتغيرة في العالم، اتساقا مع النزعة الفكرية الأميركية في تحقيق ضالة التوسع والهيمنة المنشودة، وانتقال مركز ثقل استراتيجية واشنطن العالمية، بعد فشلها في التعاطي مع الأزمة في سوريا، إلى روسيا، حيث بدت واشنطن حائرة بعد تصعيد لهجة خطابها السياسي والتهديد بإجراءات المقاطعة الاقتصادية ضد روسيا.

وتتخوف واشنطن من انهيار مصداقيتها كأكبر قوة سياسية وعسكرية في العالم، خاصة بعد تراجعها عن تنفيذ ضربة عسكرية كانت محققة إلى سوريا، وهي التي تمر بحالة انقسام داخلي حول الوسيلة الأنجع اتباعها في مواجهة روسيا، جسدتها الخلافات الحزبية في الكونغرس بين الجمهوريين المطالبين بالمضي في فرض نظام عقوبات متشددة، ونظرائهم في الحزب الديمقراطي الذين تباينت آراؤهم حول الأمر.


انقسام داخلي


عرضت الدراسة مواقف الجمهوريين المؤيدة لاستخدام أساليب القوة لردع الدب الروسي، حيث شدد السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام على ضرورة “مقاطعة قطاع الطاقة الروسي، وقطاع المصارف المالية في روسيا، والعمل على الإطاحة بالاقتصاد الروسي، كما العمل على توريد السلاح للشعب الأوكراني وتمكينه من الدفاع عن نفسه”.

ليندسي غراهام: يجب الإطاحة بالاقتصاد الروسي وتوريد السلاح للشعب الأوكراني

ولا ينفك الثنائي المتشدد غراهام- ماكين عن حث الإدارة الأميركية على الانخراط مباشرة في الصراع الدائر في أوكرانيا، في المقابل أوضح رئيس لجنة العلاقات الخارجية عن الحزب الديمقراطي في مجلس الشيوخ، بوب مننديز، حجم الانقسام بين أعضاء لجنته على خلفية تقييم الموقف حول روسيا، بخلاف انسجام المواقف مع نظيره الجمهوري بوب كوركر في اللجنة المذكورة عند مصادقتهما سويا على قرار يجيز التدخل العسكري الأميركي في سوريا، قبيل اندلاع الأزمة الأوكرانية.

وسارعت إدارة أوباما إلى حشد قواها للترويج لسياسة “الانخراط الإميركي” في الشؤون الدولية، مستبقة دعوات المطالبة بالانسحاب من الالتزامات الخارجية والالتفات إلى ترميم الأوضاع الداخلية، في هذا السياق، برز وزير الدفاع الأميركي، تشاك هيغل، محاضرا “لمجلس شيكاغو للعلاقات الدولية” محذرا من خطورة دعوات الانكفاء التي “ستترك تداعيات قاسية من شأنها إلحاق الضرر بالأميركيين أنفسهم”.

وسعى هيغل إلى التوفيق بين مهمة تعزيز القوة العسكرية الأميركية وهيبتها غير الكافية للجمع بين “الدفاع عن الأمن القومي الأميركي والنظام العالمي” في آن واحد.

في هذا الصدد يقول جورج فريدمان رئيس معهد ستراتفور الاستخباراتي في دراسة في دراسة له بعنوان “الأبعاد الجديدة للسياسة الخارجية الأميركية تجاه روسيا” إنه لاستعادة نفوذها كان البديل لواشنطن هو التحول إلى استراتيجية “ميزان القوة”، وهي استراتيجية تعتمد من خلالها على الانقسامات البسيطة الموجودة في كل منطقة، لمنع ظهور هيمنة إقليمية واحتواء الاضطرابات والمجموعات التي يمكن أن تهدد مصالحها، دون التدخل عسكريا، وهو ما اعتمدته مع سوريا وروسيا.


استراتيجية واشنطن


توضح الدراسة الصادرة عن مركز الدراسات الأميركية والعربية أن الخطاب السياسي أصبح بديلا عن التحرك، وفي القضايا التي انخرطت فيها الولايات المتحدة – مثل أوكرانيا وآسيا – كانت تصريحات أوباما تتحدث عن التدابير التي لن يتخذها بدلا من تلك التي سينفذها بالفعل.

وما لبث الساسة الأميركيون أن تنفسوا الصعداء عقب إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن نيته سحب القوات الروسية المرابطة بالقرب من الحدود مع أوكرانيا، واستمر الجدل الداخلي حول مغزى الخطوة إن كانت كافية “للتساوق مع مطلب الولايات المتحدة بنزع فتيل الأزمة أو على الأقل إعطاء الدليل على أن روسيا تسعى إلى ذلك”، كما جاهد معهد ستراتفور الاستخباري لإيجاد بارقة أمل للخروج من الأزمة.

في ظل إدراك دول وقادة العالم أن روسيا في عهد بوتين “تستعرض” عضلاتها العسكرية والاقتصادية لتحقيق مآربها لإحياء أمجاد الاتحاد السوفيتي سابقا، تنظر بعض المكونات السابقة للاتحاد السوفيتي بقلق شديد إلى ما يجري في أوكرانيا وإمكانية تشظيها إلى عدة مقاطعات متناثرة.

يكثر الحديث عن “نهضة الدب الروسي بعد سبات عميق” للدلالة على عمق القلق داخل أوساط بلدان أوروبا الشرقية آخذين بعين الاعتبار الفارق الزمني والجيوسياسي لما كان عليه الأمر إبان نفوذ الاتحاد السوفيتي السابق، فما تبقى لروسيا اليوم من نفوذ لا يقاس بسابقه الاتحاد السوفيتي، سيما لتقلص مساحة الجغرافيا وما ينجم عنها من تراجع في الموارد الصناعية، وبروز مؤسسات وهيكلة للدولة خالية من إجراءات الفساد السابقة، فضلا عن أقدمية العامل البشري.

الاستراتيجية الأميركية لمحاصرة روسيا
*تحسين علاقات دول الناتو مع تركيا

*ابتعاد أوروبا على مصادر الطاقة الروسية

*تصدير موارد الطاقة المكتشفة حديثا في القارة الأميركية إلى أوروبا


عضلات روسيا


يعتبر الخبراء العسكريون في الغرب أن روسيا لا تزال تسعى إلى اللحاق بالتقنية العسكرية الغربية، حيث اضطرت إلى النظر خارج أراضيها لاستيراد بعض الأسلحة المتطورة لجسر الهوة القائمة في تحديث تقنيتها، منها طائرات "الدرونز" من إسرائيل وعربات مقاتلة خفيفة الحركة من طراز آيفكو الإيطالية، وسفن ميسترال البرمائية من فرنسا.

ويضيف هؤلاء أن الرئيس الروسي يواجه ضعف أداء الاقتصاد الروسي، على الرغم من توفر موارد الطاقة وجاهزية الأوروبيين لشراء الغاز الروسي، ترافقه العقوبات الاقتصادية الغربية وتراجع قيمة الروبل وهروب الأرصدة المالية من روسيا والتصنيفات المالية المتدنية للاقتصاد الروسي التي تفاقم قدرته على الاستقراض الخارجي لتمويل عجلة التحديث، ويخلص هؤلاء بالقول إلى أن الرئيس بوتين يتطلع إلى الاستيلاء على أوكرانيا بأقل كلفة ممكنة.

في هذا الصدد، أوضح معهد ستراتفور الاستخباراتي أنه “من غير المرجح لجوء روسيا إلى إجراء عملية عسكرية واسعة أبعد مما جرى في شبه جزيرة القرم”، وبناء عليه يستبعد أيضا تدخلا روسيا مباشرا لحماية الروس المقيمين في أوكرانيا.

ومضى المعهد بتعزيز فرضيته بأن السلطات الروسية أخذت علما بتجربة الاتحاد السوفيتي القاسية في أفغانستان، وكذلك بالمأزق الأميركي في أفغانستان والعراق ولن تقترف خطأ التدخل المباشر ضمن الظروف المرئية، وإدراكها أيضا أن حلف الناتو يتوثب لاستدراجها إلى حرب تستنزف إنجازاتها وقدراتها وتريح دول الحلف بنقل معركته إلى الداخل الروسي.

الاستراتيجية الأميركية لمحاصرة روسيا استدعت “ترميم” علاقات دول حلف الناتو مع تركيا التي تمتلك أكبر جيش من حيث العدد بين دول الحلف، واستعادة وظيفتها ككيان ينغص الحياة على روسيا نيابة عن الولايات المتحدة يعززه استضافتها عددا من القواعد الأميركية العسكرية والجوية والبحرية كمنصة انطلاق ضد روسيا.

كما تستدعي الاستراتيجية الأميركية، حسب ما توصلت إليه الدراسة، ابتعاد اعتماد أوروبا على مصادر الطاقة الروسية، والذي سيستغرق وقتا طويلا، في أفضل التوقعات، والتأهب لتصدير موارد الطاقة المكتشفة حديثا في القارة الأميركية إلى أوروبا.

ويقول المراقبون إنه ينبغي لفت الانتباه إلى تميز الأزمة الأوكرانية الراهنة عن أجواء الحرب الباردة، التي يتوق إليها أقطاب من صناع القرار السياسي الأميركي، لأن حلف الناتو لا يواجه “امبراطورية سوفيتية” مترامية الأطراف، بل روسيا تواجه خصما أكبر عددا وعتادا ويتفوق عليها اقتصاديا وعسكريا.

في هذا الصدد أوضح الباحث في مكتب الدراسات العسكرية الأجنبية، التابع للقوات البرية الأميركية، يعقوب كيب أن روسيا اليوم “تفتقد قدرة الحشد العالية”، مما يعني أنه في زمن نشوب الأزمات العسكرية سيجد الكرملين نفسه في مواجهة خيارات غير جذابة.

و تخلص الدراسة إلى أن الثابت في المعادلة الراهنة أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عازم على تحديث الآلة العسكرية الروسية كوسيلة لبسط النفوذ على المستوى العالمي.

وينقل عن الخبراء الغربيين قولهم إن بوتين يغامر بالمراهنة على قوات عسكرية غير مجربة، خاصة وأن أي فشل تواجهه سيترجم كارثة سياسية رئيسة، وليس سرا أن حلف الناتو يجهد في إدراك حجم مواطن الضعف الروسي واستغلالها لصالحه، سيما لتقلبات الأوضاع الاقتصادية رغم فائض مخزون موارد الطاقة، من جانبه يدفع الرئيس بوتين حلف الناتو إلى قراءة مخطئة لنواياه وحصرها في معادلات الحرب الباردة بين خصمين متقاربين في القوة في إطار مناوراته السياسية المكشوفة لمغالطة خصومه في الغرب.

6