أوكرانيا ما بين الأزمتين القومية والاقتصادية

الاثنين 2014/03/10

إن الأزمة السياسية والاقتصادية التي تشهدها أوكرانيا قد تنعكس على مستقبلها كدولة، من جهة، ويتهددها الإفلاس من جهة أخرى.

وتدرك موسكو أن “الأوليغارشيين” الأوكرانيين الذين كانوا يدعمون يانوكوفيتش معادين لها وعلى الرغم من كونهم يحكمون القبضة على المفاصل الأساسية للاقتصاد الأوكراني، فإنهم أمام خشية إقصائهم من قبل عمالقة قطاع الأعمال الروسي، فثروات الجيران الروس تفوق ثراءهم، لذلك تركوا الرئيس يواجه مصيره بعد الدعم المالي الروسي لأوكرانيا.

إن أصل الأزمة الأوكرانية اقتصادية بامتياز، حيث قرر الرئيس المخلوع فيكتور يانوكوفيتش قبول المساعدات الروسية وعضوية الاتحاد الأوراسي برعاية موسكو وتفضيلها على اتفاق مع الاتحاد الأوروبي، حيث أن أوكرانيا كانت قد طالبته بقرض يبلغ 20 مليار يورو، لكن الغرب ربط علاقته بأوكرانيا بالإفراج عن الزعيمة السجينة يوليا تيموشينكو.

ففي ديسمبر 2013 عرضت روسيا شراء سندات ديْن الحكومة الأوكرانية، ومقداره 15 بليون دولار، والخطوة الروسية هذه قلصت أهمية أية مساعدة يقدمها الاتحاد الأوروبي عبر صندوق النقد الدولي، حيث تم خفض سعر الغاز الروسي إلى الثلث.

وهذا الدعم المالي كان دون مقابل ورمى إلى مساعدة كييف والحؤول دون إعلانها الإفلاس وإلى تقوية العلاقات الاقتصادية بين البلدين، لكن بعد تغيير السلطة منذ أكثر من أسبوع، لوّحت موسكو بأنها ستعلق التسديد وستنتظر تشكيل حكومة جديدة قبل اتخاذ قرار بشأن مواصلة هذه المساعدة أم لا.

وتؤكد سلطات أوكرانيا “الجديدة” والمثقلة بالديون بحسب قيادتها الجديدة، أنها تحتاج لـ35 بليون دولار على مدى العامين المقبلين لتجنب الإفلاس، وهي تحت أعباء مالية حاليا بقيمة 21 مليار دولار.

وتصر المعارضة الأوكرانية التي استولت على السلطة على أن الخزينة الأوكرانية شبه فارغة من العملات الأجنبية، إذ تحمل فريق الرئيس المخلوع المسؤولية الكاملة بسبب الإدارة الفاسدة، حيث تعاني الخزينة حاليا من عجز مالي يقدر ما بين 70 و80 مليار دولار وربما يقدره خبراء اقتصاد بأكثر من 150 مليار دولار.

وبالتالي طالبت السلطات الجديدة في كييف قرضا سريعا من الدول المانحة وصندوق النقد الدولي بقيمة 35 مليار دولار لإنقاذ أوكرانيا التي فقدت في عهد الرئيس يانوكوفيتش 20 بالمئة من احتياط الذهب المركزي، إضافة إلى استدانة 37 مليون دولار.

وتعتبر المفوضية الأوروبية أنه “ينبغي إشراك روسيا في جهود المساعدة المالية نظرا لقدراتها (روسيا) المالية التي تمكنها من تقديم أية معاونات مالية”.

وفي السياق نفسه، يؤكد أندريه بوكاريف، وزير المالية الروسية، على أن بلاده ستشارك في المحادثات (في صندوق النقد)، ولا حديث عن التنحي، فالوضع الاقتصادي المتردي في أوكرانيا، وحالة الإفلاس التي ضربت أوصال البلاد ممّا انعكس على تراجع عملتها بنسبة 12 بالمئة منذ بداية العام إذ واصل الغريفنا (العملة المحلية لأوكرانيا)، تراجعه أمام الدولار، حيث بلغ حجم الدولار الواحد 12 غريفنا، ناهيك عن حجم الدين المتراكم الذي يصل إلى حوالي 21 بليون دولار حتى نهاية 2015. وعلى سبيل المثال، فإن ثمن شقة في كييف 80 ألف يورو والمعاش للعامل في الشهر 125 يورو يدفع منهم المواطن 40 يورو ضرائب وخدمات ونسبة فائدة عن قرض الإسكان تبلغ 18 بالمئة في السنة (إذ من الواضح أن الراتب الشهري بالكاد يكفي المواطن).

وجدير بالذكر أن البنوك الروسية التي قامت بتقديم القروض الممنوحة إلى الشركات الأوكرانية ورجال الأعمال الروس والأوكرانيين الذين يملكون أصولا في تلك البلاد، حيث تبلغ قروض المصارف الروسية في أوكرانيا بالإجمال 28 بليون دولار، أغلبها ممنوح من مصارف عامة، مثل مصرف (فنيشيكونوم بنك) ومصرف (غازبروم بنك) ومصرف (في تي بي).

وأمام هذا الوضع الذي يجبر الغرب على التفكير جيّدا في مد الجسور مع أوكرانيا، خاصة وأن الأزمة لا تزال في بدايتها، حيث أن الرؤية الغربية للإطاحة بالرئيس السابق فيكتور يانوكوفيتش، اعتبرها نصرا جيو- سياسيا لمستقبل أوكرانيا، لا بد من ضرورة مقاومة هذا الشعور والعمل على استقرار الوضع الداخلي لأوكرانيا عبر التعاون بين الطرفين (القوى الغربية وروسيا) وضرورة إيجاد لهجة تهدئة بين روسيا والغرب.

ولكون موسكو لا تزال تسيطر على أوكرانيا، وفي حال استمرت لهجة العداء بين الأطراف الخارجية المعنية بالوضع الأوكراني وتزايد العداء بين الطرفين، وفي حال أيضا فرض حصار اقتصادي من قبل روسيا على أوكرانيا بدءاً من رفع سعر الغاز حسب التعريفة الأوروبية ومنع العمالة على أراضيها، مرورا بإقفال أسواقها أمام المنتجات الأوكرانية التي تفتقد للمعايير الدولية، وصولا إلى تغيير طرق الترانزيت وضخ النفط إلى الغرب، فإن الخاسر الوحيد من كل ذلك سيكون الشعب الأوكراني، ما يهدد بأزمة اقتصادية كبيرة لا أحد يعرف مدى نتائجها وتأثيراتها سواء الاجتماعية أو السياسية.

إن مستقبل الأزمة في أوكرانيا مفتوح على احتمالات لا يمكن التنبؤ بها، إحداها هو التقسيم أو الحروب القومية والمذهبية، ما سينعكس على دول الجوار برمتها، وهنا يطرح السؤال عن عودة الحرب الباردة بين العملاقين.

وفي حال التوافق فهل يسمح لأوكرانيا بأن تكون جسرا بين الشرق والغرب، لننتظر الأيام المقبلة.

كاتب لبناني

5