أوكرانيا والعراق صورة عن المستقبل الفوضوي في العالم

السبت 2014/07/26

قد تبدو العلاقة بين حادثة إسقاط طائرة الخطوط الجوية الماليزية مؤخرا فوق سماء شرقي أوكرانيا، وصعود خلافة “داعش” على مساحات شاسعة من سوريا والعراق، منعدمة، لكن كلّا منهما نتج عن خلل في كيفية لجم العالم للفوضى.

منذ شهر مارس 2014 عمدت روسيا إلى تقويض سيطرة أوكرانيا على حدودها الشرقية حيث تقوم وحدات خاصة بزي عادي وميليشيا “محلية” مجهزة بأسلحة روسية بفرض قوانينها. فرضت الولايات المتحدة وأوروبا عقوبات على موسكو لكنهما أخفقتا في وقف هذا الانحدار نحو الفوضى. التعليق الذي صدر عن فلاديمير بوتين حول رحلة “أم. أف. كيو7″، الذي قال فيه “أريد أن ألاحظ أن هذه المصيبة لم تكن لتحدث لو كان هناك سلام على هذه الأرض”، هو كلام صحيح لكنه يخفي تورط موسكو.

لقد سمح نفور الغرب من التدخل في سوريا والعراق لـ”داعش” بأن تزداد قوة وتتسلح بأسلحة استولت عليها أو اشترتها من مبيعات النفط في السوق السوداء والقيام بعمليات قتل في طريقها إلى أطراف بغداد. أمن العراق حاليا يعتمد على المساعدة القتالية من إيران والضربات الجوية السورية على قوات الخلافة.

لم تهتم القوى الغربية بالتدخل العسكري لا في أوكرانيا ولا في العراق وكان من الممكن أن يحول ذلك التدخل دون الانزلاق إلى ظلمات الوقت الحاضر. في ذات السياق فإنّ لروسيا مصلحة استراتيجية كبرى في الهيمنة على جيرانها ولذا لن تقبل موسكو بوجود قوات حفظ السلام في شرق أوكرانيا. وبالنسبة إلى العراق يبدو أن الضربات الجوية ليست في جدول أعمال الحكومة الأميركية وتقتصر المساعدة العسكرية على حفنة من المستشارين الأميركان الذين يقولون إن القوات العراقية ليست مؤهلة للدفاع عن العاصمة. والرسالة التي يبعثها هذا الموقف الأميركي هو أنه بإمكان المتمردين والجهاديين والبلدان المصممة، استخدام القوة العسكرية لتحقيق غاياتهم دون الخشية من تدخل المجتمع الدولي لفرض النظام.

لقد رفعت واشنطن سقف تدخلها العسكري عاليا إلى درجة أنها لن تقوم بالرّد عسكريا إلا إذا تعرضت مصالحها الاستراتيجية إلى خطر محدق. وباستثاء فرنسا التي لديها مصلحة حقيقية في استقرار منطقة شمال أفريقيا، ليس لأوروبا “العجوز″ أية رغبة لفرض النظام في محيطها.

السؤال المطروح الآن هو: ماذا تعني هذه التطورات بالنسبة إلى الأمن العالمي في المستقبل ؟ أولا؛ علينا أن ننتظر أن تتوسع المناطق الخارجة عن القانون وأن تظهر غيرها.

مع مغادرة القوات الأجنبية نجد أن أفغانستان وجيرانها مقدمون على حالة عنف دائمة. وفي اليمن وشبه جزيرة سيناء ولبنان والأردن وفي عدة أماكن من شمال أفريقيا نرى مناطق خارجة عن سيطرة الحكومات، وواقعة في أيدي المجموعات المتمردة والإرهابية. هذه المناطق هي أرض يثبت المقاتلون فيها أنفسهم وهي أيضا ممرات لانتشار الأسلحة المتطورة.

أمّا ثانيا؛ فلا يمكن احتواء العنف في المناطق الخارجة عن القانون. وفي هذا الصدد تتعرض أستراليا لتحد محلي مباشر في التعامل مع مستوى جديد من التهديدات الّتي تأتي في جزء منها من جهاديين محليين متمكنين من التكنولوجيا الحديثة، واكتسبوا المهارات القتالية في سوريا. ومن ثم هناك حاجة إلى قوانين جديدة للمساعدة على مراقبة المخالفين وتتبعهم قضائيا وسجنهم. كما يجب إعادة التفكير في أمن النقل الجوي والبحري والنقل العمومي على ضوء بروز خطر إرهابي أحسن تسليحا وأكثر انتشارا. وهذا ما يدلّ على أنّ عهد الحادي عشر من سبتمبر لم ينته بعد ولن ينتهي قريبا.

أمّا ثالثا؛ ففي ظل القيود المفروضة على استخدام القوة تتزايد مخاطر الصراع بين الدول أيضا، وما الميليشيات في شرق أوكرانيا إلا قناع رقيق لسيطرة الروس. وفي غياب عمل جماعي فعال من أجل استعادة النظام إلى المناطق الخارجة عن القانون ستقوم البلدان بما في وسعها منفردة لحماية مصالحها الخاصة.

من جهة أخرى، وفي منطقة آسيا المطلة على المحيط الهادي، يدفع التنافس بين الدول نحو سلوك استراتيجي أشد خطورة، فالصين ببساطة تؤكد سيطرتها على الأقاليم المتنازع حولها في بحر الصين الجنوبي وتتجاهل في ذلك الانتقاد الدولي، وتتزايد الميزانيات وتقوم الدول بتعزيز قواتها العسكرية وشبه العسكرية القادرة على إبراز القوة وإظهارها.

بالنسبة إلى أستراليا يمتد تحدي الحفاظ على الاستقرار خارج أرض الوطن ليشمل أغلب المحيط الهادي وأقرب جيراننا من الجهة الشمالية.

تتمتع المنطقة القريبة منا بأكثر استقرار مقارنة بعديد المناطق الأخرى، لكن ذلك يعود إلى تدخل القوات العسكرية الاسترالية عدة مرات في السنوات الـ 15 الماضية من أجل بناء النظام وهي عمليات مكلفة وتتطلب الكثير وسنحتاج المزيد من ذلك في المستقبل.

آجلا أم عاجلا سيتم تجاوز خط أحمر يدفع الولايات المتحدة والبلدان الحليفة إلى التدخل العسكري لفرض النظام في منطقة ما من مناطق النزاع. وإن مخاطر رفع سقف التدخل العسكري عاليا ستكون أكبر عندما تقرر واشنطن التحرك في نهاية المطاف.


المدير العام للمعهد الاسترالي للسياسة الاستراتيجي

7