"أولئك أصحابي" قصائد مستخرجة من أهم الروايات العالمية

يتمثّل الشاعر حميد سعيد في قصائد ديوانه “أولئك أصحابي” شخصيات روائية، استخلصها من عدد من الروايات العالمية، ومن رواية عربية واحدة هي ثلاثية نجيب محفوظ، كما تمثل بعض هذه الروايات، مكانا وحدثا مركزيا في تجربة مختلفة ومنفتحة على عوالم الأجناس الكتابية الأخرى ومناخاتها باختلاف الأماكن والجنسيات، فالنص الشعري غدا جامعا لأمكنة وأزمنة وشخوص لا يضع حدودا بينها.
الخميس 2015/05/21
الشاعر حميد سعيد في هذه التجربة كان عابرا للانتماءات الإثنية واللغوية والسياسية

في ما أظن، إن الذين ستتاح لهم فرصة الاطلاع على ديوان الشاعر حميد سعيد “أولئك أصحابي” وقراءته قراءة قادرة على الاقتراب من جوهر ما يمثل من تجربة جديدة، لا بد أن يشكل لهم مفاجأة، فهو يقترب من حدود شعرية مختلفة في قصائد هذا الديوان.

ولعله من المناسب أن نعرض هنا قصائد الديوان بشخصياتها التي تتمثلها من أهم الروايات العالمية، “تجليات الماء” وهي تتمثل شخصية القبطان -إيهاب- بطل رواية “موبي ديك” لهيرمان ملفل. “يسأل عوليس.. إلى أين سأمضي”، تستحضر شخصية “عوليس″ بطل ملحمة شاعر الإغريق الأكبر “هوميروس″ وليس بطل رواية “عوليس″ لجيمس جويس. “الشيخ يعود إلى البحر” تتمثل شخصية الصياد العجوز “سانتياغو” بطل رواية “الشيخ والبحر” لآرنست همنغواي. “جحيم أنّا كارنينا.. وفردوسها”، تتمثَل شخصية “أنّا كارنينا” بطلة رواية “أنّا كارنينا” لتولستوي. “ملهاة الدكتور زيفاغو” تتمثل شخصية “زيفاغو” بطل رواية “الدكتور زيفاغو” لبوريس باسترناك. وغيرها من القصائد القائمة على استحضار شخصية من إحدى الروايات العالمية المعروفة على مرّ تاريخ الرواية.

تحولات جمالية

يواصل الشاعر حميد سعيد مسيرته الشعرية التي اتسمت منذ بداياتها بتحولات جمالية، اقترنت بالإنسان والمكان، من خلال إضافات متعددة ومهمة، وتظهر في صور مختلفة من صور الإبداع، في كل قصيدة جديدة، حتى كأنه لا ينسى أن تظهر بوضوح في معظم قصائده، لذا نرى في ديوانه الجديد “أولئك أصحابي” الصادر عن الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين بالتعاون مع بيت الشعر الفلسطيني في رام الله، كيف تتباين قصائده في النهل من الذخيرة الجمالية وظلالها الموحية، وتتسم كل قصيدة بما يساعدها على إبداء دورها المقدَر لها.

القصائد تتميز بالتوالد السيميائي حيث يتحول النظر إلى القصيدة مرة بعد مرة، وتختفي إيحاءات وتولد أخرى

يشكل كل هذا التباين بين الظلال الموحية والمعاني المعبرة، توالدا سيميائيا يكرس فروقا بين كل هذه الآفاق، وبهذا التوالد السيميائي يتحوّل النظر إلى القصيدة مرة بعد مرة، وتختفي إيحاءات وتولد أخرى، وكلّ منها خارج من رحم سابقتها في شكل يبدو للمتأمل مثل فروع الشجرة المتخارجة بعضها من بعض، وبهذا تبدأ التحولات الرحبة الجميلة.

حيث يقول في قصيدة “تجليات الماء”: “في ما مضى../ كانت الأساطير تنزل حيث نزلت/ لقد شاخت الأساطير وانطفأت.. قناديلها/ أيّ أسطورة ستعيد إليك سطوتك الآفلهْ؟/ لا غرابة.. في ما انتهيت إليه”.

لا شك في أنها فرصة ذهبية لأي شاعر حين يوحد الأسطورة بمعانيها المعجمية المختلفة وبين رؤيته الإبداعية، إذ يوحد بين الأسطورة والماء، في ما يعني في رواية ميدان أحداثها البحر، بدلالة كونها ملاذا بلاغيا تنزاح فيه الدلالات المعجمية لتدلل على حالة جمالية صوفية، حيث يقول “إياك أن تتمادى.. كما كنت/ للماء هذي القراءة.. يفتح أبوابه للمحبين/ لا توقظ الموت ثانية.. ليمدّ يديه إليه”. وتحتاج هذه الصورة المولدة “الماء/ البحر” إلى استمرارية تدعم مداها التخييلي، ويتبع هذا التخييل زيادة في الثراء، مدعما بذلك فكرته الرئيسية، متناصا بمشبه من المشابه، مع “صمت البحر” أشهر روايات المقاومة الفرنسية إبان الاحتلال النازي، للرسام والروائي جان بريلير، الذي نشرها باسم مستعار “فيركور” وبطلها “ورنر فون” ضابط ألماني وموسيقار، حيث يتمثل حميد سعيد بعض أحداث الرواية تمثلا شعريا.

يذهب حميد سعيد بقصيدته إلى أمداء بلاغة المقاومة، والبلاغة فعل حضاري، وبمناسبة الحديث عن البلاغة التي استدعاها الشاعر، فهو عادة ما يرجع الباحثون نشأتها إلى اليونانيين، إذ ينظر إلى السفسطائيين الأثينيين على أنهم أول من وضع قواعدها وتنظيراتها وحولها إلى ممارسة تعليمية، وفي إطار هذا التصوّر المهيمن، تحتل المؤلفات اليونانية واللاتينية البارزة حول البلاغة مثل “محاورة جورجياس” لأفلاطون وكتاب “فن الخطابة” لأرسطو، وكتاب “الخطيب” لشيشرون، مكانة محورية في تاريخ البلاغة.

الديوان يمثل تجربة في مستوى الحوار لأنه يدور بين شاعر مثقف يعشق الحياة ويعيشها

غير أن الاكتشافات الحديثة في المنجز المعرفي للحضارات القديمة في مصر والعراق والهند والصين وبلاد فارس وغيرها، في سبيلها إلى زعزعة هذا التصور المتحيز حول تاريخ البلاغة، سواء بوصفها علما، أو بوصفها إنتاجا للقول البليغ، لم تكن اختراعا يونانيا، بل هي ثمرة من ثمرات التطور الحضاري الإنساني.

سخرية رفيعة

إن الشاعر حميد سعيد في قصيدة “لم تشرق الشمس ثانية” كما في جميع قصائد “أولئك أصحابي” لايعيد كتابة الرواية، ولا يستعرض أحداثها فحسب، بل يقرأها نقديا على الصعيدين الجمالي والفكري، ويقول ما يريد أن يقول، لا ما قاله المؤلف فقط.

أليست هذه بلاغة جمالية اجتماعية في آن؟ ترفض الصمت عن أفكار ومقولات، وتعرّي الرضا الذي لاذ به آخرون في شأنها، وتظهر قدرة الشاعر على إنتاج خطاب جمالي جديد، بفعل حيوية الإبداع ورفض بلاغة الرطانة.

ثمة ظاهرة تكاد تكون عربية بامتياز، وهي خلوّ الساحة الإبداعية، شعرية وسواها، من السخرية الرفيعة، وكذلك على صعيد التلقي، إذ لم يعد ثمة متلق لديه الاستعداد لقبول الفرح، حتى كأنه لا يريد أن يضحك، بل لا يريد أن يبتسم، وكأن سهام التجهم قد أصابت الجميع ولم يسلم منها أحد، حتى كأن الأمر حسم لصالح الكوميديا السوداء، فقارئ ديوان “أولئك أصحابي” سيكتشف أن الشاعر حميد سعيد تجاوز هذه الظاهرة، كما نرى ذلك بوضوح في قصيدته “صمت البحر.. ثانية”.

إن خروج الشاعر إلى السخرية، هو خروج حاسم من حصار الذات والحال وأزماتهما، إلى حيث الهدوء والابتعاد عن الانفعال بالموضوع المثير للأسى، مهما كان لصيقا بالوعي، ومع ذلك كان لكل مرحلة زمنية من عمر التاريخ، مزاجها بشأن السخرية والضحك، وذلك بطرفي السخرية، أي صانعها ومتلقيها.

نحن بإزاء نص نخبوي بامتياز، كما هي معظم نصوص “أولئك أصحابي” تتواشج فيه قيم وأفكار وتجارب حضارية، متجاوزة حواجز المكان والزمان، وتقيم بمزيج من الفطرة والمعرفة طقوس الوعي وتجلياته، فتحفر عميقا في الروح والعقل.

إن قصائد “أولئك أصحابي” والتجربة برمتها، يمتزج فيها الواقعي بالمتخيل، وعطش الجسد بنداء الروح الصوفي، ويتشكل النص المكتوب بتجارب إنسانية وتمثلات ثقافية وحضارية بكل ما فيها من غنى ودفء وانفتاح على كل ما هو إنساني.

كما يمثل الديوان تجربة في مستوى الحوار، لأنه يدور بين شاعر مثقف يعشق الحياة ويعيشها، وأسئلة تنتمي إلى تراث حضاري عريق، ينفتح على حضارات إنسانية منفتحة على آفاق جغرافية، فالشاعر حميد سعيد في هذه التجربة الشعرية كان عابرا للانتماءات الإثنية واللغوية والسياسية، وفيها تفاعل خاص نفيا للذات من أجل إثباتها، وانفصالا من أجل اتصال أعمق وأقوى.

15