أولاد الحرام

عندما تكون في بريطانيا وتفقد شيئا لا تناشد أولاد الحلال فلن تستجيب لك سوى الأقلية وتحرم من نجدة أولاد الحرام وما أكثرهم.
الثلاثاء 2018/04/10
يا أولاد الحلال بنت ضايعة طول كده

في صباي المبكر كنت مغرما بأغنية مازلت أراها جميلة عن غزال ضائع. الغزال هذا يفترض أنه استعارة عن حبيب لكن عقول الصغار لا تستوعب نظام الاستعارة ولا تتعامل بالكناية وتفهم الأمور كما هي في ظاهرها، تفكيرهم ضرب من الفقه الظاهري المتشدد.

الأغنية، مثلا، تمضي لتخبرنا أن الغزال سافر إلى طنطا، ونحن نتخيل غزالا في محطة قطار قابضا بفمه على أوراق نقدية ومنتظم في طابور شراء التذاكر. بعدها لا شك أنه سيطبق فكيه بقوة على تذكرة قطار إلى طنطا. وعندما يأتي مفتش التذاكر أثناء الرحلة يمد الغزال رأسه مقدما التذكرة. المفتش ينتزعها من بين فكي الغزال وينظر فيها ويعيدها بأن يدسها بين فكي الغزال المسافر.

صاحبة الغزال تتعقبه باحثة عنه وفي نهاية كل مقطع من الأغنية تقول: يا أولاد الحلال تايه مني غزال. تناشد أولاد الحلال دون غيرهم أن يدلّوها على الغزال على اعتبار لو أن أحدا ذاهبا إلى عمله، مثلا، ورأى غزالا سيتذكر أين رآه. الغزلان نادرة في شوارع المدن. أنا لم أر غزالا واحدا في حياتي في أي مدينة.

في خاتمة مسرحية العرائس: الليلة الكبيرة، تظهر امرأة تبحث عن طفلتها التي ضاعت في المولد، وتقول: يا أولاد الحلال بنت ضايعة طول كده. والأطفال في بلادنا يضيعون أكثر من أوروبا. لا أعلم سببا محددا لهذا ولكن ربما لأن العائلة لدينا فيها أطفال كثيرون بحيث يصعب رصدهم كلهم كل الوقت، أو ربما لأن أسواقنا مزدحمة أكثر من أوروبا، ويمكن أن يكون التفسير ببساطة هو أن أطفالنا سفهاء.

مهما يكن الأمر، المرأة صاحبة الغزال والأخرى أم البنت الضائعة، تناشدان أولاد الحلال، وهذا ما أستغرب له. عندما نطلب العون والنجدة من الناس نناشد أولاد الحلال على أنهم فئة متميزة في المجتمع. المشكلة هي أن مجتمعاتنا مستورة محافظة وجميع من تراه في الشارع مولود داخل مؤسسة الزواج. فما معنى مناشدة أولاد الحلال بالذات وليس هناك أولاد حرام؟

مجتمعاتنا مكونة من أولاد حلال، إلا إذا كنت تصدق الإنكليز الخبثاء الذين يقولون “لا أحد يعرف أبا الطفل سوى الأم”. رغم هذا، أولاد الحرام هنا معلنون ووجودهم اعتيادي ويشكلون على الأقل خمسين بالمئة من المواليد. وقرأت أن أولاد الحرام يشكلون الأغلبية الواضحة في بعض بلدان أميركا اللاتينية.

عندما تكون في بريطانيا وتفقد شيئا لا تناشد أولاد الحلال فلن تستجيب لك سوى الأقلية وتحرم من نجدة أولاد الحرام وما أكثرهم.

24