"أولاد الحلال" ينقذ الدراما الجزائرية في موسم التحولات الكبيرة

دراما رمضانية لامست الوجه الآخر لمجتمع الأحياء العتيقة وأنسجة الصفيح في الجزائر.
الأربعاء 2019/05/29
نجاح رغم الانتقادات

حافظ مسلسل “أولاد الحلال” على صدارة الأعمال الدرامية المعروضة على المشاهدين خلال الموسم الرمضاني بالجزائر، فرغم المنافسة المتواضعة بين المسلسلات التي تعرضها مختلف القنوات الحكومية والخاصة، وتأثر النشاط الفني والدرامي بالأجواء الاستثنائية التي تعيشها البلاد منذ عدة أشهر، إلاّ أن العمل استقطب قطاعا عريضا من المتابعين وتصدر نسب المشاهدة خلال الموسم.

الجزائر - استطاع المسلسل الرمضاني “أولاد الحلال” الذي تبثه قناة “الشروق +” الجزائرية الخاصة حاليا، تجاوز موجة الانتقادات المفتعلة من قبل دوائر منافسة حاولت استغلال معالجته للوجه الاجتماعي الآخر في الأحياء الشعبية ومنتجعات الصفيح بمدينة وهران، لإثارة موقف شوفيني ارتبط باتهام أعمال سينمائية ودرامية بتسويق صورة سلبية عن مدينة وهران.

تنديد واستنكار

ذكر بيان نسب إلى سكان المدينة، وتم الترويج له في منصات إعلامية وفي شبكات التواصل الاجتماعي، أنه “يحذر القنوات التلفزيونية والإذاعية من بث وترويج أعمال فنية ومنتجات إعلامية تسيء إلى سكان مدينة وهران وتسوق عنهم صورة أخلاقية سيئة، وربطها بالانحلال الاجتماعي والفساد الأخلاقي”.

وأشار البيان إلى فيلم “الوهراني”، الذي عرض مسيرة مناضل تاريخي خلال ثورة التحرير، تحول بعد الاستقلال إلى رجل يعاقر الخمر والنساء، وإلى مسلسل “شفيقة”، ثم مسلسل “أولاد الحلال” الذي يعرض خلال هذا الموسم الرمضاني.

ولفت أصحاب البيان إلى أن أعمالا فنية ودرامية تتقفى تسويق صورة مشوهة عن المدينة وتقدمها في ثوب الرذيلة والعنف والتحرش، وهو ما يتعارض مع الحقيقة التاريخية للمنطقة ومع خصال الكرم والشهامة للمجتمع الوهراني.

ويقدم المسلسل قصة اجتماعية تدور أحداثها في حي الباهية العريق بمدينة وهران، حيث يخوض الشقيقان مرزاق وزينو رحلة البحث الشاقة عن عائلتهما التي انقطعت قنوات التواصل معها لمدة طويلة، وخلال رحلة البحث يقدم البطل عبدالقادر جريو، الذي قام بالمعالجة الدرامية للنص، والمخرج التونسي نصرالدين السهيلي، صورة عن الوجه الآخر للمجتمع في الأحياء الشعبية، والنمط المعيشي والفكري والقيمي المكرس في مثل هذه الفضاءات الإنسانية.

عبدالقادر جريو: البعض في الساحة الفنية يجهل حقيقة المجتمع الجزائري
عبدالقادر جريو: البعض في الساحة الفنية يجهل حقيقة المجتمع الجزائري

ويجد الشقيقان سهولة في الانخراط في تفاصيل الحياة اليومية لسكان الحي، حيث تنتشر تجارة المخدرات ومظاهر السرقة والتحرش والسحر، كونهما تربيا في ملجأ الحي، قبل أن يغادرا المدينة لمدة طويلة ويعودان إليها بحثا عن العائلة، ومع ذلك تبقى بذرة الفطرة الطيبة متجذرة في شخصيتيهما، كعادة أبناء الأحياء الشعبية، حيث يخوضان أعمال النصب والاحتيال على الأثرياء من أجل إعالة نفسيهما وإعالة فقراء الحي.

وعن تشابه المعالجة الدرامية مع بعض الأعمال العربية ونقل الصورة من أحياء عربية في مصر أو سوريا إلى مدينة وهران الجزائرية، يرى الفنان عبدالقادر جريو، الذي أدى دور البطولة ونفذ المعالجة الدرامية، أن “البعض في الساحة الفنية وحتى الإعلامية يجهل حقيقة المجتمع الجزائري، وهناك الكثير من المظاهر المعروفة لكنها غير مكتشفة أو غير معلنة فنيا، ففي بلدة ندرومة في أقصى الحدود الغربية، هناك سوق نسوية ونساء يسوّقن مختلف الحشائش والعقاقير، وفي كل مدينة أو بلدة سلوكات وممارسات لم تجد طريقها للنقد أو التثمين، وحتى العادات والتقاليد المنتشرة هنا وهناك لا يعرفها إلاّ أهلها ويجهلها باقي الجزائريين، ولذلك كانت صور القاهرة ودمشق أقرب إلينا من صورنا نحن”.

ويضيف “قبل انطلاق الحراك الشعبي في فبراير الماضي، كنا نوصف بالشعب العنيف والهمجي، لكن بعد أسابيع طويلة من المظاهرات والاحتجاجات، أثبت الجزائريون أنهم شعب مسالم ومتمدن، ولم تحطم واجهة زجاجية واحدة رغم خروج الملايين للتظاهر، وهذه الحقيقة التي كانت متجذرة فينا لم نعرفها ولم نكتشفها إلاّ مؤخرا، لأن الصورة المسوّقة عنا والصورة التي تأتينا من محيطنا غطتا علينا الوجه الآخر لنا”.

ولفت المتحدث إلى أن فريق مسلسل “أولاد الحلال” عمل على إضفاء معايير فنية معينة في الأداء والديكور، تواءم بشكل طبيعي مع الأستوديو الطبيعي في ضاحية الدرب بمدينة وهران، حيث أضفى العمران المهترئ والجدران المتهالكة طابعا جماليا حقيقيا لا يحتاج إلى تدخل العنصر البشري، فكانت الصورة طبيعية ومعبرة عن أفكار العمل، مما حقق له نجاحا منذ حلقته الأولى.

وعلى عكس الأعمال الدرامية التي تعوّد عليها المتابع الجزائري خلال المواسم الماضية، خرج “أولاد الحلال” من الصور النمطية للشقق الفاخرة والقصور التي تغطي عن حقيقة الصورة الحقيقية للمجتمع، إلى ديكور طبيعي في حي الدرب بمدينة وهران، الذي يمثل جزءا من ذاكرة المدينة عمرانيا واجتماعيا وثقافيا، فلامس بذلك التماهي بين المشاهد وبين أطوار المسلسل.

ويرى الفنان عبدالقادر جريو “أن فكرة مسلسل أولاد الحلال بدأت من مشاركتي في مسلسل ‘الخاوة 2” في شهر رمضان الماضي، حيث أبدت شركة الإنتاج رغبتها في إنتاج عمل آخر، فعمل المنتج محمد أيمن الجوادي على الفكرة، واشتغل عليها رفقة الكاتبة التونسية رفيقة بوجدي، وتمت كتابة 5 حلقات كاملة، تم عرضها عليّ ولاحظت أنها مكتوبة بلهجة ليست جزائرية، ولما كان المنتج متيقنا بأن العمل يحمل شيئا جديدا ومختلفا للمتلقي الجزائري، أسندت لي مهمة العمل على المعالجة الدرامية للعمل، واستغرق الأمر منا ثلاثة أشهر لإنهاء السيناريو”.

واتجهت الدراما الجزائرية في السنوات الأخيرة إلى طرح مشكلات اجتماعية، حيث عالجت مسلسلات عديدة ظواهر مختلفة في المجتمع الجزائري، لكن “أولاد الحلال” كان الأكثر جرأة وواقعية في طرح الوجه الآخر للمجتمع الذي يعيش على هامش المدن الكبرى في الضواحي العريقة وأحياء الصفيح، وهو ما يكون قد سبب له انتقادات كثيرة، ولو أن نبرة الغيرة من النجاح كانت واضحة لدى البعض منها.

طاقم تونسي

“أولاد الحلال” الذي أخرجه المخرج التونسي الشاب نصرالدين السهيلي، هو عمل اجتماعي من 25 حلقة، كتبت له السيناريو، أيضا، السيناريست التونسية رفيقة بوجدي صاحبة سيناريو مسلسليْ “صيد الريم” و“لأجل عيون كاترين” التونسيين، مما مثّل تعاونا فنيا ضخما بين تونس والجزائر.

ولم يتوقف هذا التعاون بين البلدين في حدود الإخراج والنص، بل تجاوزه إلى الإنتاج الذي تكفّل به محمد أيمن الجوادي. وكذلك إدارة التصوير ومساعد المخرج والمصوّرين والمشرف على الديكور وإدارة الممثلين التي تكفّل بها الممثل التونسي عاطف بن حسين، وهو الذي يشارك كممثل أيضا في العمل إلى جانب ثلة من الممثلين الجزائريين على غرار يوسف سحيري وعبدالقادر جريو وسهيلة معلم وأحمد بن عيسى وعزيز بوكروني ومصطفى العريبي.

والتجربة ليست الأولى التي يشهد فيها الإنتاج الدرامي شراكة تونسية-جزائرية، حيث سبقها في العامين الماضيين مسلسل “الخاوة” (الإخوة) بجزئيه الاول والثاني الذي تصدّى لإخراجهما المخرج التونسي مديح بلعيد.

وينضاف مسلسل “أولاد الحلال” الجزائري إلى مسيرة المخرج والممثل التونسي نصرالدين السهيلي، وهو الذي سبق له أن أخرج للدراما التونسية مسلسل “الريسك”، كما شارك بالتمثيل في أكثر من مسلسل تونسي كـ”إخوة وزمان” و”ناعورة الهواء” و”أقفاص بلا طيور” و“عنقود الغضب” و“دنيا” و“مكتوب” وغيرها، قبل أن يتّجه في السنوات الأخيرة إلى الإخراج السينمائي.

15