أولمبياد ريو تعري الفساد داخل الرياضة الجزائرية

تحولت عودة البعثة الرياضية المشاركة في أولمبياد ريو دي جانيرو للجزائر إلى فرصة لتصفية الحسابات عبر التصريحات والتصريحات المضادة، بين مسؤولي اللجنة الأولمبية، وبعض الرياضيين والفنيين، فبين الاتهام بالفساد وخيانة الأمانة، وبين الدفاع على نظافة ونزاهة الهيئات المسؤولة عن البعثة، يتطلع الشارع الرياضي الجزائري إلى معرفة الحقيقة وأسباب المشاركة المخيبة.
الأحد 2016/09/04
سواعد فضية يهتز فوقها العلم

الجزائر – تحدى رئيس البعثة الجزائرية المشاركة في أولمبياد ريو عمار براهمية، في ندوة صحافية منتقدي ومتهمي مسؤولي اللجنة الأولمبية بالفساد وخيانة الأمانة وتوظيف المشاركة في السياحة العائلية، أن يأتوا بدليل واحد يدين اللجنة،وحض هؤلاء على التوجه إلى القضاء لمتابعتهم، إذا كان لديهم ما يثبت تصريحاتهم النارية التي أطلقوها في ذروة الأولمبياد، وتحدثوا حينها عن تجاوزات وصفوها بـ”الخطيرة”.

وكان العداء الجزائري توفيق مخلوفي الحائز على فضيتي سباقي 800 و1500 متر، قد أطلق في ريو دي جانيرو، تصريحات نارية ضد مسؤولي الرياضة الجزائرية، حيث اتهمهم “بخيانة الأمانة وعدم إنفاق أموال الدولة على الرياضة والرياضيين الجزائريين، وبالإهمال وعدم الاهتمام بانشغالات أعضاء البعثة، وتحويل المشاركة إلى رحلة سياحية أضرت بسمعة وألوان البلد".

وقال مخلوفي عقب تتويجه بالفضية الثانية “أهدي هذه الميدالية إلى الشعب الجزائري، وليس للمسؤولين الجزائريين، والإنجاز الذي حققته جاء بفضل اجتهادي وإمكانياتي الخاصة، ولم تساهم فيه اللجنة الأولمبية، وهو أحسن رد على المشككين والمنتقدين، الذين يختفون وراء المكاتب لقضاء أغراضهم الشخصية باسم الرياضة والرياضيين الجزائريين".

والملاحظ أن المسؤولين في وزارة الشباب والرياضة واللجنة الأولمبية، تفادوا الصدام مع تصريحات مخلوفي وبورعدة وبعض الملاكمين، وعلّق كل من الوزير الهادي ولد علي، ورئيس اللجنة الأولمبية مصطفى بيراف، ورئيس البعثة عمار براهمية، المشجب على من أسموهم بـ”أعداء النجاح والمثبطين للعزائم والمحرضين على الفتن والطامحين إلى مناصب الهيئات الرياضية”.

وأكد عمار براهمية في ندوته الصحافية، بأن “العدائين والرياضيين أحرار في تصريحاتهم، وهي جد طبيعية ولا تستهدفني شخصيا أو شخص رئيس اللجنة الأولمبية أو وزير الشباب والرياضة، وأنا من أخذ بيد العداء مخلوفي في بداية مشواره واستقدمته من مسقط رأسه بسوق أهراس إلى العاصمة، وهو بمثابة ابني”.

فضيتا العداء مخلوفي هما حصاد المشاركة الجزائرية في أولمبياد ريو، حيث أخفق جميع الرياضيين في الصعود إلى منصات التتويج، بمن فيهم رياضيو الملاكمة والجيدو الذين كان يعول عليهم للتتويج ببعض الميداليات

وأضاف “اللجنة الأولمبية مسؤولة عن التسيير فقط وليس عن النتائج المسجلة والمسألة الفنية تعود للاتحادات، وأن من يملك أدلة الإدانة ما عليه إلا التوجه للقضاء للقصاص مني أو من غيري، وليس لديّ أيّ تعليق على تصريحات مخلوفي أو بورعدة”.

وكانت فضيتا العداء مخلوفي هما حصاد المشاركة الجزائرية في أولمبياد ريو، حيث أخفق جميع الرياضيين في الصعود إلى منصات التتويج، بمن فيهم رياضيو الملاكمة والجيدو الذين كان يعول عليهم للتتويج ببعض الميداليات، الأمر الذي جعل النقاد يختصرون مشاركة دولة في رياضي وحيد، ويطرحون الاستفهامات حول خلفيات وظروف هذا الإخفاق، بما أن نتائج الجزائر صارت في تراجع مستمر منذ أولمبياد سيدني العام 2000.

مشاركة مشرفة

كانت تقييمات الرسميين الجزائريين قد وصفت المشاركة بـ”الإيجابية والمشرّفة”، وأن “المرتبة 62 عالميا، واحتلال بعض الرياضيين للصف الخامس وثمانية آخرين ضمن العشر الأوائل في العالم، إلى جانب ظروف تحكيم رياضة الملاكمة التي حرمت بعض الملاكمين الجزائريين من التتويج، بدليل استبعاد الاتحاد الدولي للملاكمة لعدد من الحكام بسبب التجاوزات المرتكبة في بعض المنازلات، يعتبر شيئا إيجابيا، لا سيما وأن هناك دولا عربية وقارية تملك تقاليد عريقة في الرياضة، وهناك من يملك إمكانيات ضخمة، إلا أنها جاءت خلف الجزائر”.

وقال رئيس البعثة الأولمبية عمار براهمية، بأن “أطرافا أطلقت كذبة كبيرة صدّقها الإعلام، وأثّرت على الشارع الجزائري، وكل النفقات مسجلة وموثقة ولم نتصرف خارج القانون، وأنّ كل الملفّات قبلت وأعطينا كل ذي حق حقه، وهناك شخص متورط في قضايا جنائية منعه رئيس اللجنة الأولمبية من التنقل رفقة البعثة، تلافيا لأيّ تصرف يسيء لسمعتنا، هو الذي يقف وراء هذه الضجة، وفيما وقعت فضائح في البعض من البعثات وسجن أشخاص منها، كان حضور البعثة الجزائرية مثاليا في الأولمبياد”.

مخلوفي: مسؤولو الرياضة خانوا الأمانة

وحاول المتحدث تبرئة تصريحات بعض الرياضيين، على غرار مخلوفي وبورعدة، ونسبها لبعض الفنيين والفاعلين في الساحة الرياضية، وربط المسألة بخصومات شخصية وتصفية حسابات، ردا على تصريحات المدرب أحمد ماهور باشا، بكون "العداء بورعدة لم يتدرّب إلا خلال الأشهر الأخيرة قبل الأولمبياد، وأن الإمكانيات محدودة جدا، لا تسمح بالتأكيد على المراهنة في المستويات العالمية “، في حين ذهب الملاكم إلياس عبادي إلى القول بأن "الملاكم الذي يعاني من البطالة والفقر في بلاده لا يمكنه أن ينازل في المحافل الكبرى".

وذكر براهمية في هذا الشأن "بورعدة شعر بضغط كبير وكان عليه تدبر أموره كما فعل باقي الرياضيين، وأن اللجنة لم ترفض أيّ طلب إلا إذا كان مبالغا فيه، والأمر هنا يتعلق بعمل الاتحادات”، كما لم ينف افتقاد البعض من الرياضات للإمكانيات اللازمة، لما قال بأن "مستوى الرياضة الأولمبية لا يستقطب الكثير من الممولين، عكس كرة القدم مثلا التي تعرف تزاحم (السبونسورينغ) على عتباتها”.

رغم الانتقادات اللاذعة التي طالت مسؤولي البعثة جراء حرمان البعض من الرياضيين من مرافقة مدربيهم وطواقمهم الفنية لهم، بحجة محدودية الأماكن في طائرة الوفد، في حين سافرت عائلات بعضهم وعلى رأسها عائلة رئيس الوفد، إلا أن عمار براهمية أصر على أن سفر تلك العائلات كان على حسابها وليس على حساب اللجنة الأولمبية، وأنه سيقاضي بعض وسائل الإعلام المحلية، التي روجت لسفرية عائلات مسؤولي اللجنة الأولمبية”.

وفي حين لم يشرح خلفية أفضلية تلك العائلات حتى ولو كان على حسابها في السفر مع البعثة الرسمية، والشروط المطلوبة في ذلك. وبينما قال منتقدون بأنه في هذه الحالة كانت الأولوية لعائلات الرياضيين لتكون سندا معنويا لأبنائها في المنافسات، حرص براهمية على المرافعة لصالح نظافة ونزاهة اللجنة الأولمبية، وبرر الهجوم على مسؤوليها، بحراك الانتخابات المقبلة للجنة.

وكان وزير الشباب والرياضة الهادي ولد علي، قد أصر عند استقبال عودة البعثة الأولمبية، على رفض فتح أيّ تحقيق في شأن التصريحات التي أطلقها عدد من الرياضيين في ريو دي جانيرو، وشدد على أن تقييما شاملا وهادئا للمشاركة سيشرع فيه قريبا بحضور جميع الفاعلين، واستبعد تماما وجود أيّ تحقيق في المسألة.

وأظهرت تصريحاته انسجاما بينها وبين تصريحات رئيس اللجنة مصطفى بيراف، ورئيس البعثة عمار براهمية، مما يؤكد معلومات وردت حول تنسيق بين تلك الأطراف لاحتواء موجة الانتقادات للمشاركة المخيبة، قبل عودة الوفد المشارك في الأولمبياد، وفيما لم ينف وجود ما أسماه بـ”بعض النقائص في الإمكانيات والتحضير”، إلا أن وصف الوزير للمشاركة بـ”الإيجابية والمشرفة”، جاء مطابقا لوصف المسؤولين الآخرين.

رئيس البعثة الجزائرية المشاركة في أولمبياد ريو عمار براهمية حرص على المرافعة لصالح نظافة ونزاهة اللجنة الأولمبية، وبرر الهجوم على مسؤوليها، بحراك الانتخابات المقبلة للجنة

ووعد الوزير ولد علي، بتكفل دائرته بالعداءين مخلوفي وبورعدة، وببقية الرياضيين الذين جاء ترتيبهم ضمن العشر الأوائل في التصنيف العالمي، واعتبر تصريحاتهم المنتقدة لا تعني سياسة الوزارة في تسيير القطاع، وتغافل عن تعمد البطل توفيق مخلوفي عدم العودة إلى أرض الوطن ضمن طائرة الوفد الرسمي، وتوزيعه لمنحة الـ40 ألف دولار التي حصل عليها من اللجنة على زملائه الرياضيين في ريو، قبل أن يشد الرحال منها إلى باريس للمشاركة في تجمع عالمي لاختصاص 800 متر.

اتهامات صريحة

كان توفيق مخلوفي قد وجه اتهامات صريحة عبر وسائل الإعلام لمسؤولي الرياضة في الجزائر، وكشف عبرها عن خلافاته الكبيرة معهم، وذكر بالمنصب والاسم رئيس البعثة عمار براهمية، بالقول “خان أمانة الحكومة الجزائرية التي وضعت تحت تصرفه رفقة رئيس اللجنة الأولمبية مصطفى بيراف أموالا كبيرة من أجل تسخيرها في خدمة الرياضيين الجزائريين وتحضيرهم بأفضل طريقة ممكنة للألعاب الأولمبية".

وأضاف “أؤكد أن المسؤولين الرياضيين في الجزائر، وفي مقدمتهم عمار براهمية، لا يحق لهم أن ينسبوا تألقي وتحقيقي لميداليتين إلى أنفسهم، وأطلب منهم ألاّ يختبئوا وراء إنجازي وأن يتحملوا مسؤوليتهم تجاه الحكومة والشعب الجزائري، براهمية كاد يقضي على مستقبلي الرياضي، ولو سمعت الكلام الذي كان يقوله لي، لبقيت في سوق أهراس (مسقط رأسه) ولم أشارك في الألعاب الأولمبية".

وتابع مخلوفي “على الشعب الجزائري أن يعلم، أني لم أتلق أي سنتيم من براهمية وبقية المسؤولين، وحضرت للأولمبياد بأموالي الخاصة، لقد أرادوا تحطيمي وكدت ألاّ أتنقل إلى البرازيل، ولكنني قررت في الأخير السفر بأموالي الخاصة، والمشاركة في كتابة التاريخ وإسعاد الشعب الجزائري الذي كان مصدر إلهامي الوحيد.. أنا من عائلة ثورية وأعلم جيدا ماذا يعني العلم الجزائري، وأشكر كل الجزائريين على دعمهم المطلق لي، وأقول لهم شاركت وفزت بميداليتين فقط من أجلكم، ولا دخل لبراهمية وجماعته في إنجازي التاريخي”.

وعرج مخلوفي للحديث عن قضية البطل العربي بورعدة "بورعدة بطل حقيقي وكان بإمكانه أن يجلب ميدالية أولمبية للجزائر لو لم يتخل عنه براهمية.. بورعدة احتل المرتبة الخامسة في الأولمبياد رغم الإمكانات الضعيفة التي حضر بها، تصوروا أنه لم يكن يملك حتى الأموال للتنقل إلى ريو، ورغم كل الصعاب رفع التحدي وأثبت قدرة الشاب الجزائري الذي لا يعرف معنى كلمة مستحيل، ولهذا السبب أهديته إحدى الميداليتين اللتين تحصلت عليهما”.

كاتب من الجزائر

22