أولويات القنوات العالمية تتراجع مع تغير المشهد الإعلامي

تحول استقطاب الجمهور إلى هاجس يؤرق القنوات الفضائية، بعد الثورة الهائلة لوسائل التواصل الاجتماعي والهواتف المحمولة، وعزوف الجمهور عن المشاهدة التلفزيونية لصالح الإنترنت الأكثر مرونة وانتقائية في السرعة وأوقات المشاهدة.
الأربعاء 2016/01/27
كاميرا حائرة بين طلبات الجمهور

لندن – تبحث هيئة الإذاعة البريطانية جاهدة عن أساليب وأفكار جديدة لإرضاء الجمهور والمحافظة على نسب المشاهدة، بعد أن كانت تسعى إلى زيادة متابعيها واستقطاب مشاهدين جدد، لكن طبيعة المشهد الإعلامي المتسع جعلت طبيعة الأولويات تتراجع.

أنفقت بي بي سي مبالغ طائلة على استطلاعات الرأي لمعرفة ذائقة الجمهور، وما يهمه، وهو ما انتقدته صحيفة الغارديان البريطانية قائلة، “من يعش على استطلاعات الرأي و’المشاورات’ سيراوح مكانه”.

وأضافت الصحيفة أن هيئة الإذاعة البريطانية، التي تقدم للمستمعين والمشاهدين خدمات رقمية جديدة وأخرى متعلقة بالقنوات التقليدية المختفية (مثل بي.بي.سي 3 التي تم التخلي عنها) تسعى لكسب ثقة وحماس الجمهور للمضي قدما. ولكن الثقة، مع القليل من المساعدة من مؤسسة “أي.سي.أم” (التي تقوم باستطلاعات الرأي)، لن يمنحاها الكثير من النتائج المرضية.

ويخشى المعنيون من أن هذه التكاليف المرهقة قد تدفع بي بي سي، عند إطلاق خدمات جديدة، إلى التضحية بقطع الخدمات الحالية. ويطرحون تساؤلاتهم وخاصة في ما يتعلق بالخدمة العالمية، وهل يجب على بي.بي.سي تمويل بعض الخدمات.

ولا يمكن تجاهل حقيقة المنافسة والاحتكاك بين وسائل الإعلام، والسباق المحموم على افتكاك المشاهدين من بعضهم البعض، بشتى الطرق، وهو ما يجب على بي بي سي أن تفكر به، وتلتزم مع المشاهدين بمنتوج راق حتى لا يهجروها إلى القنوات الأخرى، وعليها وضع حد لاستطلاعات الرأي المكلفة التي ليست سوى رش رماد على أفضل الأفكار. ببساطة، المشاهدون والمستمعون هم بشر عاديون، وما عليها القيام به هو تقديم محتوى مميز.

واستعادت الغارديان تجربة قناة الجزيرة، التي قررت بعد عامين فقط من المحاولة -كلفت 500 مليون دولار (347 مليون يورو)-، إغلاق ذراعها الإعلامية في الولايات المتحدة، الجزيرة أميركا، وسيتم قطع البث في شهر أبريل المقبل، لأنها منيت بفشل ذريع في التوجه للجمهور، كان للقناة وجهة نظر خاصة للعالم، ولكن الولايات المتحدة لا تريد أن تشاركها إياها.

استسلمت القناة في نهاية الأمر للحقيقة بأن ما قدمته لا يعني الأميركيين، وأن تاريخها في الشرق الأوسط حيث كانت القناة تبث تسجيلات فيديو لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، قد أثرا على سمعتها، وذكر بول فرحي في مقال في صحيفة واشنطن بوست، أن القناة واسمها العربي ذكّرا المشاهد الأميركي كثيرا بالقناة الأصلية التي ترتبط بالعداء للأميركيين والفيديوهات التي كانت تنشرها “القاعدة”، ودأبت الجزيرة على بثها تباعا.

المحطات التجارية، الإعلان، المشاركة في السوق، وقياس معدلات الاستماع والمشاهدة عوامل تحدد مستقبل بي بي سي

ولم تستطع القناة جذب أكثر من 34000 مشاهد ليلا و24000 نهارا. وفي بعض الأيام لم تكن نسبة المشاهدة تذكر، بحسب تقارير أميركية. فأضحت عملية إغلاق المحطة وفقدان جميع الوظائف ليسا سوى انعكاس لحقيقة أن ما قدمته القناة إلى حد الآن، لا تريد أميركا أن تعرفه.

من جهة أخرى فإن “بي.بي.سي” لم تصل سوى إلى 60 مليون أميركي في منازلهم. وفي أحسن الحالات يمكنها التحكم في 28 ألف مشاهد في أوقات الذروة، و19 ألف فقط خلال كامل اليوم.

لقد سرقت منها المحطة الأميركية الإخبارية “إم.إس.إن.بي.سي” المشاهدين، رغم أنها لا تعتبر منافسا شرسا حيث تم ضربها بمحطة سي.أن.أن وطمسها بمحطة فوكس نيوز.

وعلى الصعيد المحلي، تواجه بي بي سي حاليا مشاكل اقتصادية ومسألة التمويل الحكومي في المستقبل، إذ يتزايد القلق من احتمال خفض الدعم التقليدي الذي كانت تحصل عليه من رسوم الترخيص لأنها تجذب أقل من 50 بالمئة من الجمهور المحلي، ورغم أنها تتمتع بثقة ودعم كبيرين من مؤيديها، فإن العديد منهم يعتقد بأن عوامل مثل المحطات التجارية، الإعلان، المشاركة في السوق، وقياس معدلات الاستماع والمشاهدة يجب أن تحدد مستقبلها، بحسب ما جاء في كتاب الإعلام الدولي لتوماس ماكفيل.

ولهذا تعهدت بي بي سي، بالعمل مع المؤسسات الفنية والعلمية في بريطانيا من أجل “جعل بريطانيا أكبر قوة ثقافية في العالم”، وطرح المدير العام لبي بي سي، توني هول خطط عمل الهيئة خلال العقد القادم، وقال إنها ستصبح منصة “مفتوحة لعصر الإنترنت”، في حين عين وزير الثقافة البريطاني مجلسا من الخبراء لعمل مراجعة جذرية بشأن هيئة الإذاعة البريطانية، واختار جون ويتينجديل ثمانية خبراء للعمل بشكل وثيق مع الحكومة على تجديد ميثاق عمل الهيئة.

بالإضافة إلى أن بي بي سي تسعى إلى إنشاء خدمة لأريتيريا وإثيوبيا تبث برامجها على الموجات المتوسطة والقصيرة، كما اقترحت الهيئة توسيع نشاطها في بلدان أخرى مثل روسيا وكوريا الشمالية، وتقول بي بي سي إن هذا يهدف إلى دعم تغطيتها “في المناطق التي تتراجع فيها الموضوعية في نقل الأخبار”.

وتشمل الخطط خدمة “بي بي سي آي بلاير” للبث الإذاعي والتلفزيوني المباشر عبر الإنترنت للأطفال، ونشر مجموعة من الصحفيين المحليين الذين سيتعاونون مع الصحف المحلية، وطرح لورد هول هذه الخطط قبيل تجديد وثيقة عمل بي بي سي عام 2016.

وأكد أن تلك الخطط لا تعني “بي بي سي متوسعة” محذرا في الوقت ذاته من أن خفض التمويل سيعني أنه “حتميا سيجري إغلاق أو تقليص بعض الخدمات”، لكنه لم يحدد هذه الخدمات التي قد يطالها الإغلاق أو التقليص.

18