أولى ركائز الحب الحرية

الخميس 2015/04/02

نسمع عن نساء ناجحات، متميزات تغيرت حياتهن بالكامل، وانتهين إلى الفشل والنسيان وربما الانتحار بعد دخول رجل إلى حياتهن. سيناريو مرعب بالتأكيد، لكنه يحصل كل يوم، خذ مثلا الفنانة الأميركية المنتحرة أيمي واينهاوس، التي حققت نجاحا عالميا وأصبحت واحدة من أحب الفنانات إلى قلوب الجماهير، قبل أن تلتقي الرجل الذي قادها إلى عالم المخدرات والجنون والانتحار.

بعض الذين نحبهم قد يقتلوننا، هذه حقيقة. ربما لا يقصدون، لكنهم يصلون بنا إلى جدار مسدود يردنا إلى أنفسنا ويغلق العالم في وجهنا. فماذا نفعل والحال هذه؟ الكراهية واضحة ووسائل التعامل معها أيضا ممكنة وسهلة، لكن ماذا عن الحب؟ الحب الذي من شأنه أن يقتلنا ببطء وهدوء ودون أن يلحظ أحد؟

مصادر ومراكز أوروبية كثيرة تقول إن في هولندا وحدها مليون شخص يتعرضون للعنف الأسري، وأن أكثر من نصف هذا العدد يتردد في طلب المساعدة مخافة أن يفقد الشخص الذي يحب.

أشخاص يفضلون الألم، والإهانة، والمعاناة الصامتة لأنهم ببساطة لا يستطيعون أن يعيشوا دون جلادهم..أو هذا ما يعتقدونه على أي حال. ولتشجيع هذه الفئة على المبادرة في طلب المساعدة، عمد خبراء نفسيون إلى طمأنتهم أن طلب المساعدة لا يفترض بالضرورة إنهاء العلاقة، أو الانفصال عن الشخص الذي يحبونه، وأن وسائل ودراسات وبحوثا كثيرة استهلكت لتجد حلا لهذا المشكل، وهو: كيف تقنع شخصا تحبه، اعتاد على إهانتك وتعذيبك، بالتوقف عن ذلك؟

المؤكد في هذا السياق أن العنف الأسري نادرا ما يتوقف من تلقاء نفسه، وأن الضحية التي تأمل في أن تتوصل إلى ذلك بنفسها، لا تنجح في أغلب الأحوال، مهما بلغ ذكاؤها ومهما علا مستواها الثقافي والفكري.

المساعدة ضرورية، وفي عالمنا العربي اليوم مؤسسات وجمعيات تستقبل المعنفات، وتستمع إلى شكاويهن وتقدم المساعدات، لكن الخطوة الأولى تبدأ بإقناع أنفسنا أن من يحب لا يهين، ولا يعنف ولا يعتدي على كرامة حبيبه، والتوقف عن إيجاد أعذار لمن نحب، فالغيرة والتملك لا يدلان على الحب كما تعتقد الكثيرات. بل على شخصية غير متوازنة تبحث لنفسها عن التوازن بإهانة الآخرين والتقليل من شأنهم.

تابعت منذ أيام برنامجا تقدمه قناة أوروبية عن نساء تعرضن لمواقف مثل هذه. واحدة منهن قالت إن العنف بدأ معها في الفراش، وأن الرجل الذي تحبه أقنعها أن “القليل” من التعذيب أثناء ممارسة الجنس من شأنه أن يشعرها بمتعة أكبر. في البدء شكت في ميولاته الشاذة، ثم صدقته، ومع الوقت غيرت ذائقتها لتتلاءم مع ذائقته، وأصبحت تستمتع مثله بالعنف في الجنس. بعد فترة خرج العنف من الفراش، إلى الصالون والمطبخ والحديقة والشارع، وأصبح لا يتوقف عـن إهانتها فـي أي مكان وحتى أمام الآخرين.

حالة أخرى قالت إنها تعرضت للعنف، فترات طويلة، ثم شيئا فشيئا صارت بدورها تمارسه، في البدء كدفاع عن نفسها، ثم كهجوم أيضا. ودائما بالحب، فالقاسم المشترك بين هؤلاء النسوة أنهن يعشقن معذبهن، وهو يعشقهن، ولهذا السبب بقين، وبحثن عن “حلول”، بدت لهن معقولة على نحو ما.

أستطيع أن أتفهم امرأة تحب، في خوفها من فقدان من تحبه، حتى وإن كان جلادا، فقلوبنا في النهاية ليست ملكنا للأسف. أستطيع أن أضع نفسي موضعها، وأحس ما تحس به من عجز وتردد، ليس لذلك علاقة بالقوة أو الضعف، بالقدرة على التحمل أو الصبر، ليست إكراها، أو تبعية اقتصادية، ليست مشكلة ثقافة ولا تربية ولا أي شيء. إنها فقط حالة حب، وإن كان حبا عسيرا مؤلما.

أقول لهذه المرأة: أفهمك..أشعر بك… ولن أقدم لك حلولا، لأنني لا أملكها… لكن وأنت تنظرين في الصباح إلى وجهك في المرآة لتكتشفي كدمات عليه، أو وأنت تديرين رأسك بشدة في محاولة يائسة لرؤية البقع الزرقاء على كتفيك، تذكري أنك خلقت حرة وكريمة وجميلة، وأن لا أحد يملك حق سلبك ذلك…لا أحد، ولا الـحب نفسه، لأن أولى ركائز الحب، الحرية!

21