أولياء تمبكتو يستأنفون حراسة جوهرة الصحراء

الأربعاء 2015/04/29
الأضرحة سمة تراثية أساسية لمدينة تمبكتو

تمبكتو (مالي)- “يجلب الملح من الشمال، والذهب من الجنوب، والفضة من بلاد البيض، أمّا كلام الله وكنوز الحكمة فلا توجد إلا في تمبكتو”.. هكذا توصف تمبكتو أو جوهرة الصحراء الأفريقية، شمال مالي، المعروفة بكونها مدينة الـ333 وليا صالحا، بدأت اليوم رحلة استعادة أهم ما يميّزها، عبر ترميم أضرحة أوليائها الصالحين، بعد أن دمّرها إرهابيو جماعة “أنصار الدين” المنتسبون إلى تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي.

تستعدّ تمبكتو، أشهر مدن شمال مالي، لاستعادة ملامحها القديمة عبر إعادة ترميم تراثها المدمّر، وخاصّة أضرحتها الشهيرة التي هدّمتها جماعة أنصار الدين التابعة لتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، خلال فترة احتلالها للمدينة بين أبريل 2012 ويناير 2013.

وتقود منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو) مشروعا كبيرا لإعادة ترميم وبناء جزء كبير من التراث الثقافي والتاريخي لمدينة تمبكتو، المدرجة ضمن لائحة التراث العالمي للإنسانية، التي دمّر التنظيم الإرهابي معظم أضرحتها.

وكانت جماعة أنصار الدين قد دمّرت، خلال احتلالها للمدينة، 14 من بين 16 ضريحا للأولياء الصالحين بها، مؤيّدة ذلك بمحاربتها المظاهر الوثنية التي تكرّس الشرك بالله، وتهديم كل الشواهد والأضرحة والقبور التي يتجاوز علوّها على الأرض مقدار 15 سنتمترا، فضلا عن إلغاء جميع أشكال التصوّف الطرقي السائد في تمبكتو. وقد أصاب الدمار مسجد سيدي يحيى المؤدّي إلى مقبرة قديمة تضمّ رفات 333 وليا صالحا، شكّلوا منذ القدم ذاكرة حيّة للمدينة الروحية.

وتعدّ تمبكتو، عاصمة فكرية وروحية غنية بالكنوز الثقافية والمخطوطات النادرة، وفريدة من نوعها في أفريقيا، إلى درجة وصفها بكونها جوهرة الصحراء الأفريقية، ووسمها بأنّها مدينة الـ333 وليا صالحا.

تمبكتو تتميز بمخطوطاتها النادرة

وقال أحد سكان تمبكتو، واصفا شدّة الدمار الذي لحق بها، إنّ المدينة التي تكتسي بعدا دينيا وثقافيا، حرمت طيلة هذه الفترة من أضرحة أوليائها، و”أفرغت من أيّ محتوى، بما أنّ هذه الأضرحة تشكّل عناصر أساسية للنظام الديني، كونها كانت سورا حاميا للمدينة من جميع الأخطار.

ووفقا للمعتقدات الشعبية السائدة لدى سكّان تمبكتو، فإنّ الأولياء الصالحين يحرسون مدينتهم من كلّ ما يمكن أن يحدق بها من أخطار خارجيّة.

اليوم يعتري سكان تمبكتو حماس كبير حيال عملية إعادة ترميم الأضرحة وإعادة فتح أبوابها أمام الزوار، في وقت تمضي فيه الأشغال حثيثة، لا سيّما أنّ السكّان يشاركون في هذه العملية بكل شغف.

وبحسب الحسن هاسيي، المشرف العام على عمليّة الترميم، فإن الأشغال الخاصة بالأضرحة فقط ستنجز نهاية يوليو القادم، فيما تم بالفعل الانتهاء من ترميم اثنين من الأضرحة المدمّرة. يقول سيدي يحيى، أحد سكان تمبكتو، إنه “منبهر بما تمّ القيام به”، وأنّ “أشغال الترميم قد جرت في احترام كامل للخصوصيات الهندسية الأصلية”.

من جانبه، أكّد لازار ألودو أسومو، ممثل يونسكو في مالي وخبير دولي في أشهر مواقع التراث العالمي، أنه تم إلى حدّ الآن صرف 3 ملايين دولار من بين الـ11 مليون دولار الضرورية لإعادة ترميم جملة عناصر التراث الذي دمّره المتطرفون.

وأوضح أسومو، في مؤتمر صحفي سابق في الأمم المتحدة بنيويورك، أنّ الأشغال ستمتد على 4 أعوام، وهو الوقت اللازم لترميم 14 ضريحا و3 مساجد ومكتبات المدينة، لافتا إلى أنّ مبلغ الـ3 ملايين دولار سيخصص لترميم الأضرحة.

وقال “إننا نودّ أن يقوم السكان بإعادة بناء تراثهم.. إنه ليس مجرد بناء حجارة، ولكنه رمز للمحافظة على الأهمية الثقافية والحفاظ على دور الضريح في تنظيم حياة المجتمع”، معتبرا أنّها “مهمة طويلة ومعقدة”.

واعتبر فيبكي ينسن، مدير مكتب اليونسكو في نيويورك، أن “التراث الثقافي للمجتمع يعبر عن حياته، وتاريخه وهويته. وأن المحافظة عليه تساعد في إعادة بناء المجتمعات، وإعادة روابط الهوية، وربط ماضيهم بحاضرهم ومستقبلهم”. وقال “إن إتلاف وتدمير التراث الثقافي للمجتمع، ليس مجرد تدمير للماضي بل تدمير أكبر للمستقبل”.

يذكر أنّ اليونسكو كانت قد شرعت، منذ العام الماضي، بالشراكة مع الاتحاد الأوروبي والجهات المانحة في خطة تهدف إلى دعم عمل حكومة مالي في إعادة بناء التراث الثقافي والمحافظة على المخطوطات في تمبكتو التي تضرّرت بشدة من الجرائم التي أقدمت عليها الجماعات الإرهابية بين عامي 2012 و2013.

مشروع متكامل لترميم 14 ضريحا دمرها الإرهابيون

ووفق قول ساكن آخر للمدينة فإنّه “في تمبكتو تحمل الأضرحة رمزية كبرى، والسكان يزورونها 3 أيام أسبوعيا: الاثنين والخميس والجمعة لزيارة أضرحة الصالحين والسير على خطاهم”، مضيفا أنه فضلا عن القيمة الثقافية التي تكتسيها، فإن هذه المزارات تشكل رافدا لتقارب جميع الطوائف.

ويتفق الجميع في تمبكتو على أنّ أشغال ترميم المزارات تخلق جوا ملائما للسلم والمصالحة، وتعيد للمدينة الحاملة لميزات ثقافية وسياحية، جزءا من ثرواتها”، حسب رئيس مكتب اليونسكو في باماكو، وهي التي يعود تاريخ تأسيسها إلى فترة ما بين القرنين 11 و16 الميلاديين على يد قبائل الطوارق، حيث كانت مركزا علميا إسلاميا ومدينة تجارية تستقطب القوافل من كل حدب و صوب.

وبتاريخ 8 أبريل 2014، وضعت بعثة من الدبلوماسيين الأفارقة والغربيين بقيادة مسؤولين من اليونسكو، أولى لبنات إعادة بناء ضريح “الشيخ سيدي المكي”، فيما تتواصل إعادة ملامح المدينة إلى ما كانت عليه بخطى حثيثة.

وبعد الانقلاب العسكري الذي شهدته مالي في النصف الأول من العام 2012، تنازعت “الحركة الوطنية لتحرير أزواد”، مع كل من حركة “التوحيد والجهاد” وحليفتها حركة أنصار الدين، السيطرة على شمال البلاد وامتدت إلى مناطق أخرى.

وكانت فرنسا، مدعومة بقوات ماليّة وأفريقية، قد شنّت عملية عسكرية كبرى على شمال البلاد في يناير 2013، إلى أن حرّرت المناطق التي كانت تسيطر عليها الجماعات الإرهابية، ثمّ شهدت مالي تنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية عامّة أعادت الاستقرار السياسي المفقود.

وأدرجت لجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو عام 1988 مساجد جينقري بير وسانكوري وسيدي يحيى بتمبكتو، التي شيدت قبل أكثر من خمسة قرون، ضمن قائمة التراث العالمي الإنساني، إضافة إلى 16 قبرا وضريحا توجد غالبيتها داخل مدينة تمبكتو العتيقة.

20