أوليفر ستون السينمائي الحالم بتغيير وجه العالم

السبت 2015/02/21
ستون: علينا كمواطنين أن نفعل شيئا إزاء ما يجري في العالم

إنه الولع الأخاذ في مزج الحياة الشخصية بحياة المجتمع وبالتاريخ ومن خلال إعادة إنتاج التاريخ الشخصي والجمعي على الشاشة. ذلك هو هاجس أوليفر ستون، الذي طالما عبر عن ذلك قائلا “لست سوى مترجم للتاريخ سواء الشخصي أو الاجتماعي ولكن بطريقة مختلفة أجسدها على الشاشة” وقد ذهب أبعد من ذلك باتجاه مزج التاريخ بالدراما إذ يقول “إنني لا أتعامل مع التاريخ بوصفه تاريخا مجردا، بل بوصفه تاريخا نابضا بالدراما، وإن وظيفة الفيلم هي قراءة ذلك التاريخ الدراماتيكي، تاريخ الشعوب والثقافات كما الأفراد”.

هذا العالم المتشكل من تجارب الأفراد سينعكس مبكرا في سائر أعمال هذا المبدع الذي يعد واحدا من ألمع مئة مخرج في تاريخ السينما في العالم، وهو الذي جعل السينما والفيلم أكثر تفاعلا مع الحياة ومع السياسة ومع تاريخ الولايات المتحدة وتركيبتها الثقافية والاجتماعية.


السينما المرآة الاجتماعية


لا يخفي ستون لدى حديثه عن سيرته أنه عمل في شتى المهن وبعضها بعيد عن عالم الفن والسينما، فقد عمل سائق سيارة أجرة وبائعا ومراسلا ثم مساعد إنتاج ثم ليبدأ تجاربه الأولى في كتابة السيناريو وهو المجال الذي عشقه وبقي ملازما له إلى درجة أنه بقي يكتب سيناريو أفلامه أو يشارك في كتابتها وقد تجلت مواهبه مبكرا فتخرج من كلية الفنون في جامعة نيويورك عام 1970 وكان من حسن حظه أن المخرج مارتن سكورسيزي هو أحد أساتذته وأصبحا بعد ذلك يتنافسان على الشهرة وجوائز الأوسكار.

توج أولى نجاحاته بكتابة سيناريو فيلم “قطار منتصف الليل” للمخرج البريطاني آلن باركر وليحصد به عدة جوائز أوسكار دفعة واحدة من بينها أوسكار أحسن سيناريو وأحسن مخرج وأحسن موسيقى وأحسن ممثل ثم ليواصل تعاونه مع باركر مجددا ولكن بعد سنوات في فيلم إيفيتا عام 1996.

ثم ليعود ستون إلى عالم المخدرات الذي ظل يستهويه لأنه يعكس جانبا من صورة المجتمع الأميركي أو ما يسميه بالمرآة الاجتماعية للأزمات، يعود من خلال كتابة سيناريو فيلم “سكارفيس” من بطولة آل باتشينو للمخرج البارع برايان دي بالما. في واقع الأمر إنها إعادة محاكمة ومراجعة للمجتمع الأميركي وانحرافاته الفادحة واصلها ستون في عدة أفلام لاحقة أخرجها بنفسه حتى فيلمه الأخير “المتوحشون” مرورا بفيلم “مجرمون بالفطرة” 1994.

من أشهر أفلامه فيلم سكارفيس الذي يحكي قصة توني مونتانا المهاجر الكوبي القادم إلى الولايات المتحدة وهو لا يملك شيئا ليتحول إلى واحد من أكبر تجار المخدرات ومن فرط العنف والجريمة التي يقدمها الفيلم لوحق أيضا بانتقادات من الجالية الكوبية.

الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لم يكن خارج خارطة اهتماماته فقد كان فيلمه "بارسونا نون غراتا" فرصة لتحليل هذا الصراع إذ قابل ستون فيه ياسر عرفات فضلا عن عدد من السياسيين الإسرائيليين


أوليفر ستون وفيتنام


أما أصداء حرب فيتنام وانعكاساتها المريرة في أفلامه وهو ما يسميه “الكوابيس والهواجس” فنجد أن أول أفلامه وكان فيلما قصيرا ومن 12 دقيقة وحمل عنوان “العام الأخير في فيتنام” وقد عرف نجاحا متميزا، كان ذلك في منتصف السبعينات. ومنذ ذلك الفيلم ظلت أصداء الحرب ومكابداتها وآثامها تتردد في أعماله ليتجلى ذلك في فيلمه ذائع الصيت “بلاتون” الذي عد أحد أفضل عشرة أفلام في الثمانينات وهو من تأليف ستون نفسه وإخراجه وأدى أدواره الرئيسية كل من توم بيرينغر، وليم ديفو وشارلي شين.

الفيلم يذهب عميقا في يوميات الحرب الفيتنامية ومكابدات الصراع وأصدائه في نفوس ثلة من الجنود الذين يواجهون في كل يوم شكلا من أشكال الموت وهو في الواقع شبه سيرة وتجربة شخصية للمخرج نفسه الذي عاش تلك الأيام القاتمة لحظة بلحظة. أصاب الفيلم نجاحا ملحوظا وتوج بالعديد من جوائز الأوسكار، كأحسن سيناريو وأحسن إخراج وأحسن تصوير وأحسن مونتاج وأحسن صوت وأحسن تمثيل.

وما لبث ستون أن عاد إلى حرب فيتنام مجددا بفيلم “ولد في الرابع من تموز” وهو الجزء الثاني من الثلاثية الفيتنامية ويحكي جوانب حقيقية من سيرة ذاتية منشورة في كتاب حقق نجاحا تجاريا كبيرا عن جندي المارينز رون كوفيتش، وقد لاقى الفيلم نجاحا تجاريا أيضا ونال جائزتي أوسكار، من هنا واصل ستون ملاحقته لقصص وتراجيديا حرب فيتنام ليتوج ثلاثيته بفيلم “الجنة والأرض” في العام 1993، وهو يروي جوانب من الصراع في فيتنام ولكن من وجهة نظر فتاة فيتنامية هذه المرة تكتشف عنف الشيوعيين في فيتنام الجنوبية الذين يجبرونها على الرحيل مع أسرتها لتسقط في قبضة الفيتكونغ فتتعرض للاغتصاب ثم يخدعها الشخص الذي تشتغل تحت إمرته وتحمل منه لتكون خاتمة رحلتها مع ستيف بتلر، الضابط في الجيش الأميركي الذي يؤدي دوره الممثل توم لي جونز لتكمل مشوار حياتها في الولايات المتحدة.

ستون يتحدث عن حياته بشجاعة حين يقول إنه عمل سائق سيارة أجرة وبائعا ومراسلا ثم مساعد إنتاج قبل أن يصبح تلميذا في صف المخرج الكبير مارتن سكورسيزي لينافسه لاحقا على الشهرة وجوائز الأوسكار


الانغماس في السير الذاتية


بموازاة هذه الرحلة الشائقة اهتم ستون بحياة الزعماء كجانب من تسليط الضوء على الحياة الأميركية والغوص في خفاياها، ومن هنا جاء فيلمه المهم “ج اف كي” عن حياة الرئيس الأميركي جون كنيدي واغتياله. والفيلم جزء من رؤية ستون في قراءة التاريخ السياسي والاجتماعي لكن في إطار من نظرية المؤامرة وخلفيات الصراع السياسي والمصالح التي أفضت إلى اغتيال كنيدي من خلال كتاب للمؤلف زاخاري سكلار الذي ساهم في كتابة السيناريو إلى جانب ستون وقد حاز الفيلم على جائزتين من جوائز الأوسكار.

الفيلم الأخير ضمن سلسلة اهتمام ستون بالسير الذاتية للزعماء عارضا الخلفيات غير المرئية لحياة المجتمع الأميركي وقواه الفاعلة هو فيلم “w” عن سيرة وحياة الرئيس الأميركي المثير للجدل جورج دبليو بوش، إنتاج 2008. يبدأ الفيلم من العام 1922 متتبعا حياة الطالب الجامعي بوش في جامعة ييل. شاب مدمن على الكحول وغريب الأطوار، غير مهتم على الإطلاق بانغماس أسرته في الاستثمارات والأعمال وخاصة في مجال البترول ثم المتاعب التي سببها لوالده من أجل سحبه إما إلى حقل الاستثمارات والنفط أو إلى السياسة، لينتهي أخيرا قرار بوش الابن بالدخول في الانتخابات ليمضي في مسيرة صعوده السياسي متخبطا في إدمان الكحول والتشويش في الرؤية السياسية.

كان لستون ولع بالغ بالحياة السياسية في القارة الأميركية اللاتينية خاصة ولهذا وجد في الفيلم الوثائقي أداة للتعمق في تحولات السياسة والفكر اليساري والاشتراكي لتلك البلدان وفي طليعتهم الزعيمان فيدل كاسترو وهوغو شافيز، حيث أنجز فيلمين عن كاسترو، فيما كان فيلمه “غرب الحدود” مناسبة لإجراء مقابلات مباشرة مع سبعة من رؤساء أميركا اللاتينية من بينهم هوغو شافيز وإيفو موراليس رئيس بوليفيا وراؤول كاسترو فضلا عن رؤساء الأرجنتين والبرازيل والبارغواي ولم يخف ستون إعجابه بكل من كاسترو وتشافيز في مرات عدة.

ولم يكن الصراع الفلسطيني الاسرائيلي خارج خارطة اهتماماته فقد كان فيلمه “بارسونا نون غراتا” فرصة لاستجلاء هذا الصراع إذ قابل الرئيس الراحل ياسر عرفات فضلا عن عدد من السياسيين الاسرائيليين وتبعت ذلك تصريحات قوية صدرت منه مست الجالية اليهودية الأميركية في موضوع الهولوكوست مما دفعه للتراجع والاعتذار عن الطريقة التي فسرت بها تلك التصريحات.

ستون مواليد 1946 لا يخفي تعاطفه ومساندته لشخصيتين سببتا كثيرا من الإزعاج للولايات المتحدة وهما كل من جوليان أسانغ صاحب تسريبات ويكليكس وإدوارد سنودن صاحب التسريبات الخطيرة عن عمليات التجسس التي تديرها الولايات المتحدة في أنحاء العالم وهو يحضر حاليا لفيلم وثائقي عن سنودن بالتعاون مع صحيفة الغارديان البريطانية.

وبسبب الوضع الذي يعيشه العالم اليوم ومواقف حكومة أوباما يكتب ستون في صفحته في فيسبوك مؤخرا قائلا “إنني أكره الرعب بكل أشكاله، أعتقد أنه علينا كمواطنين في هذا العالم وليس فقط كمواطنين أميركيين أن نفعل شيئا إزاء ما يجري في العالم”.

15