أول أسباب الإرهاب خواء الرؤوس قبل خواء الجيوب

كثيرا ما يربط محللون بين الفقر والإرهاب، ويجعلون من الخصاصة سببا رئيسيا ومباشرا لانضمام الكثير من الشباب إلى الجماعات المتطرفة، في حين أنّ القراءات الاجتماعية والنفسية لهذه الفئة، تفند ذلك، وتؤكد بالمثال والحجة على أن الخواء الفكري والتصحر الثقافي هما أبرز أسباب الالتحاق بالعصابات الإرهابية التي تجد بدورها في ذلك، أرضية خصبة لزرع أفكارها الجهادية.
الجمعة 2016/12/09
وجود طلبة سلفيين في كلية علمية يعكس غياب التحصين الثقافي

كثيرا ما يُربط الإرهاب بالفقر، وطالما تم اعتبار الظروف الاجتماعية القاسية سببا من الأسباب الرئيسة التي يعتمدها المحللون لتفسير ظاهرة اتجاه الشباب نحو التطرف الديني، ومن ثــَمّ التوجه إلى الإرهاب.

أفواج من المنقبات والملتحين الذين يعتمدون نمط عيش جديد في جميع تفصيلاته، لباسا وفكرا ومعيشة، يرون أن الدين هو كل شيء في الحياة، ويعتمدون منظورهم الضيق للدين والإسلام والجهاد، عبر مراحل دقيقة، تبدأ بالتنظير الذي يــُملأ فيه الدماغ بفكر متجه أساسا نحو هدف سياسي واضح، ثم مرحلة التكفير التي يتعلم فيها المتطرف أن يكره كل ما هو مختلف، ثمّ يتوجهون إلى مرحلة التفجير والقتل والتدمير التي كانوا قد أُعدوا لها سابقا.

إنّ المشروع الإرهابي من البداية مبني على النسق الفكري المتجه في سياق واحد، لخدمة غايات أساسية كبرى كانت قد أرسيت لها منذ القدم أدبيات دينية وفكرية تعتمد على مقاربة نفسية للشباب المــٌستقطب قبل الاعتماد على المقاربة الاجتماعية؛ حيث أن من يقوم باستقطاب الشباب إلى هذه الجماعات المغلقة يعتمد على تقنيات عدة للاستيعاب والإدماج، يكون أولها اختيار المجنــّد أو الضحية.

والحقيقة أن الشرط الأهم في اختيار الفريسة هو أن يكون عقله النقدي منقوصا حتى لا يقدر على الجدال. ولذلك نلاحظ أن عدد المجندين في التنظيمات الإرهابية من خريجي جامعات العلوم الأدبية والإنسانية يكاد يكون منعدما، مقابل عدد ضخم من خريجي الشعب العلمية.

ويستند بعض المحللين إلى ارتفاع عدد الخريجين من المهندسين والتقنيين الذين توجهوا إلى التنظيمات المتشددة، من أجل تثمين فرضية أن الشباب ينضم إلى هذه الجماعات لا بسبب القحط الثقافي وإنما بسبب الفقر، وهذا الارتفاع الكمي في عدد المهندسين يعزز فكرة أن المجندين يفتقدون إلى الرصيد الفلسفي والأدبي، وهو ما يسهل تجنيدهم، كما أنه، وبتحليل بسيط للحالة الاجتماعية للشباب المستقطب، نلاحظ أن عدد العاطلين عن العمل الذين توجهوا إلى ما يسمى الجهاد بسوريا محدود، فالسواد الأعظم من المتشددين إما طلبة وإما تجار، وعدد كبير منهم ميسورو الحال.

الإرهاب والتشدد الديني لا علاقة للفقر بهما إلا في حالات معزولة، وغير ممثــّلة لجملة المستقطبين في هذه التنظيمات الإرهابية، فالفرد لا يقوم بعملية انتحارية لأنه يبحث عن المال، بل من أجل هدف آخر. كما أن الفتاة لا تترك جامعتها وعائلتها وتذهب للجهاد بشتى أشكاله لأنها فقيرة، إنما هناك آليات أخرى للتحليل والفهم تشير إلى أن هؤلاء لا يبحثون عن المال، إنما هم أفراد يعانون من اضطرابات على مستوى الشخصية، ومن قصور على مستوى اللجوء إلى الأساليب المنطقية في الحوار والتفاهم مع الآخر، فيخرجون من المنظومة المجتمعية التي يعتبرون أنفسهم أعلى وأرفع منها، وذلك بانتمائهم إلى الأفكار الدينية السامية والعظيمة، حيث يجدون أئمة وشيوخا يزينون لهم هذا الانتماء، ويدخلونهم تدريجيا عبر مراحل، إلى أن يصلوا إلى التطرف الديني.

التحليلات التي تربط الإرهاب بالفقر باعتبار أن توجه الفرد إلى الإرهاب يكون محصـلة لخلل على المستويين الاجتماعي والنفسي

وطالما أخطأ المحللون في ربط ظاهرة الإرهاب بالفقر، فحقيقة الأمر أن الشاب التونسي الفقير، وعندما يجد الأبواب موصدة أمامه، يلتجئ في الغالب إلى الهجرة السرية، حيث يرنو إلى مستقبل مادي أفضل. فإدخالنا للفقر كمفسر لكل الظواهر الاجتماعية التي أدت إلى الثورة، والتي تلتها يعتبر تقصيرا تحليليا، حيث يرى الباحث المنصف وناس أن اعتماد الفقر كنسق معرفي مفسر لكل شيء، يكاد يدفعنا إلى خطئ تحليلي مفقـّر لفهم الحالة.

فالتحليلات السوسيولوجية التي تربط الإرهاب بالفقر، أو بالتهميش تعتبر منقوصة باعتبار أن توجه الفرد إلى الإرهاب يكون محصــّلة لخلل على المستويين الاجتماعي والنفسي، ولا يمكن تناول هذه الظاهرة من المنظور السوسيولوجي بمعزل عن الجانب البسيكولوجي الهام والمحوري في دراسة هذه الظاهرة.

وقد بحث هؤلاء عن شكل من أشكال الارتقاء النفسي والوجداني، فتوفر هذه الأيديولوجيا لهم هذا الارتقاء على المستويين الاجتماعي والنفسي. أمّا نفسيا فعبر إحساس الفرد بالانتماء إلى أمة عظيمة، وتحوله من مجرد فرد عادي على هامش المجتمع إلى رافع لراية الإسلام، وجندي من جنود الله.. وإلى غير ذلك من الألقاب العظيمة.

وأما على المستوى الاجتماعي فيتحول الفرد من شخص منزو داخل إطاره المجتمعي الضيق، إلى جزء من منظومة كاملة تشد أزره ماديا ومعنويا، فالفرد يتحول من إنسان عادي إلى “أخ” لعدد كبير من الشباب والشابات، يعينونه ماديا في شدته، ويحسسونه بأنه لم يعد وحيدا وإنما ضمن نسق كامل.

فأول أسباب الانتماء إلى التنظيمات الدينية المتشددة هو إحساس الشاب بالإفلاس الثقافي والنفسي، قبل إحساسه بالإفلاس المادي، ولذا وجب علينا تناول هذه المسألة من زاويتها النفسية أولا لفهم الأسباب الحقيقية وراء التطرف والإرهاب وإمكانية الوقاية منها قبل أن ينصاع الإرهابي في طريق اللاعودة.

وتعود سهولة استقطاب البعض من الشباب إلى هشاشة التكوين الأدبي والفكري لديهم من ناحية، ولكن من ناحية أخرى إلى هشاشة التنشئة الاجتماعية للفرد، حيث أن تنشئته لا تكون متكاملة، وهو ما يؤدي في النهاية إلى إخراج شاب متذبذب في مختلف الجوانب الفكرية والعقدية والقيمية، الأمر الذي يجعل الشاب -أو الشابة- يبحث عن منظومة تحقق له التوازن الروحي والفكري، ويجد ذلك في المفاهيم والقيم الإسلامية الموسوعية والرائعة، والتي يبدأ الشيوخ المستقطبون بالتركيز عليها لجر المريدين إلى المنظومة المتطرفة.

الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لها أبعاد ومغاز كونية وعظيمة، كما أن عمقَيها اللغوي والإنساني كبيران، وللإلمام بجوانبها، يصبح من الضروري على الفرد أن يكون له عمق لغوي وفكري وعقدي، وهو ما يزيد من تسهيل دمغجة الشباب، وإدخال المعاني التي يريدها الشيخ.

الدعوات إلى التفكير وإعمال العقل عديدة في القرآن مثل آية “إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ” وتكرر في مواضع عدة لتبيان أن التفكير هو الهدف الأساسي من نزول القرآن، بيد أن أول درس يتم تلقينه للمنتدبين الجدد هو “لا تجادل”، وأول سلوك يتعلمه هو “السمع والطاعة”. وبذلك يتم مسح الهدف الأول للدين الإسلامي المتمثل في إجلال العقل وتثمين العلم والتحفيز على القراءة والتفكير عبر “اقرأ” وآيات التفكير والتعقل والتبصر والاعتبار، وغيرها من الآيات الداعية مباشرة لإعمال العقل.

كاتب تونسي

13