أول أنطولوجيا لقصيدة النثر المصرية

الخميس 2016/09/29
"الشعر لا يمنح صكوكه لأحد"

القاهرة - يعد كتاب “ذئب ونفرش طريقه بالفخاخ” أول أنطولوجيا في قصيدة النثر المصرية، أعدها وحررها الشاعر المصري عماد فؤاد على مدى تسع سنوات من الجهد المتواصل، وقدم لها بدراسة طويلة ومعمقة الشاعر المصري رفعت سلام.

تمثل هذه الأنطولوجيا الأولى من نوعها موسوعة شاملة وضخمة لقصيدة النثر المصرية، حيث ضمت قصائد لـ53 شاعرا وشاعرة من مصر، من ثلاثة أجيال مختلفة هي السبعينات والثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، وصدرت في 672 صفحة من القطع الكبير.

لم تكتف الأنطولوجيا، الصادرة عن المكتب المصري للمطبوعات والنشر في القاهرة، بالتعاون مع دار نشر وليدة مقرها في بلجيكا واسمها “منشورات الوردة”، برصد نصوص وقصائد الشعراء والشاعرات المختارين فيها فقط، بل حرصت كذلك على أن يكون لكل شاعر من الشعراء المشاركين ملف كامل عنه، يضم عددا من قصائده الأبرز، وتليه قراءة في أحد أعماله أو حوار معه أو شهادة له، ويختتم بصفحة تعريفية بكل شاعر، تضم نبذة عنه وعن إصداراته الشعرية أو إسهاماته في مجال الترجمة إن كان من المشتغلين بها، وهو ما يعني أن الأنطولوجيا -إلى جوار القصائد والنصوص- تضم العديد من المقالات والقراءات النقدية والحوارات والشهادات التي كتبت عن الشعراء المختارين في الأنطولوجيا أو كتبوها بأنفسهم، سعيا إلى إلقاء الضوء على تجاربهم الإبداعية، واستكشافا لرحلة تجاربهم الشعرية.

ويقول عماد فؤاد في مقدمته للإصدار الجديد للأنطولوجيا إن “الشعر لا يمنح صكوكه لأحد، لأنه ليس حكرا على أحد. الشِّعر حرّ، وحرّ هو الشِّعر، له أن يأمر فيطاع، ومن يطيعه سوى أبنائه المخلصين؟ هؤلاء الذين لا يتاجرون باسمه، حاملو مصابيحه في العتمات وسنوات المذلّة، من المخلصين الذين ربما يمرّون وسط الزحام فلا يراهم أحد، لكنّهم دؤوبون، صبورون وعنيدون، يحفرون بأظفارهم العارية في أرضه، كلٌّ في بقعته، كلٌّ في وجعه الخاص، كل في عالمه، كل منهم يؤمن في قرارة نفسه بأنّ غايته ليست الكنوز المخبّأة في التربة، بل الاستمرار في الحفر، الحفر عميقا، حتى ولو نزفت الأظافر، حتى ولو بُترت الأصابع، فسوف يستمرون، رغم ذلك، في الحفر”.

ويلفت فؤاد إلى أن هذه الأنطولوجيا كانت تتجدّد يوما بعد يوم بين يديه وتظهر بشكل مغاير، شكلا ومحتوى، عن إصدارها الأول في الجزائر منتصف 2007، وهو ما استدعى منه أن يتعامل معها باعتبارها أنطولوجيا جديدة تكمّل النواة التي سبقتها.

ومن الشعراء الذين ضمتهم الأنطولوجيا نذكر خالد أبوبكر، إبراهيم داود، أسامة الدناصوري، عبدالمنعم رمضان، زهرة يسري، ياسر عبداللطيف، عزمي عبدالوهاب، علي عطا، فاطمة قنديل، وإيمان مرسال وغيرهم، وهم من الممثلين لمختلف الأجيال الثلاثة التي اهتم بها هذا الكتاب الجامع.

ويقول الشاعر رفعت سلام في دراسته التي افتتحت الأنطولوجيا “هي أول أنطولوجيا لقصيدة النثر المصرية. وهي أسبقية تمتلك دلالتها بفعل تميّزها وخصوصيتها وشموليتها التي تجعل منها مرجعا أول لكل أنطولوجيا أو دراسة قادمة عن قصيدة النثر المصرية بالذات”. فكل أنطولوجيا، في رأي سلام، هي انتقاء واستبعاد وإثبات ونفي على نحو ما. وكل ذلك على قاعدة من المنهجية والموضوعية وتقليص المزاجية والذاتية إلى الحدود الدنيا الممكنة. ولهذا تصبح أقرب إلى تمثيل الواقع الشعري، تكثيفه وبلورته، كما يقول.

ويبدو المتن الشعري لهذه الأنطولوجيا متوافقا مع الغاية التي تستهدفها أي أنطولوجيا موضوعية وجادة، ألا وهو التمثيل الحصري لكل الاتجاهات والتيارات الإبداعية، من خلال الشعراء المختارين. وهي الغاية الأجدر في الاعتبار ضمن هذه اللحظة من تاريخ قصيدة النثر المصرية التي تواجه إقصاء عاما من قبل المحافظين والمتقاعدين والمحتلين للمناصب الثقافية المختلفة.

فالغاية التي يشي بها هذا الكتاب، كما يقول رفعت سلام، تستهدف رصد وتقديم كافة الأصوات الممثلة لقصيدة النثر المصرية الراهنة، وهي غاية مضادة للمناخ العام، السياسي والثقافي والشعري، ومضادة للذاتية الشهيرة التي يتمتع بها الشعراء عادة.

ويلفت سلام إلى أنه قد تغيب البعض من الأسماء التي كانت جديرة بالحضور وقد يرى البعض أن ثمة أسماء حاضرة أقل أهمية من الأسماء الغائبة. لكن ذلك الغياب وهذا الحضور، كما يقول، لا يقللان من شمولية الأنطولوجيا. ويرجع ذلك إلى البُعد “الذاتي” الحتمي الذي لا تخلو منه أي أنطولوجيا “موضوعية”. وهكذا تصبح أنطولوجيا “ذئب ونفرش طريقه بالفخاخ” تمثيلا فعليا لواقع قصيدة النثر المصرية لا صورة ذهنية عنه تتناوشها الأوهام، وهي ليست تمثيلا خاليا من الأحكام القيّمة والمزاجية.

15