أول إمرأة عربية وجزائرية تترشح للانتخابات الرئاسية

الأحد 2013/10/06
لويزة حنون امتداد لمجاهدات الثورة الجزائرية

سيدة تنحدر من عائلة متواضعة تعرّف نفسها قائلة: "أنا من مواليد الثورة التحريرية وقد شاءت الأمور أن أولد في بيت كان مأوى للمجاهدين والثوار من النساء والرجال، وقد فتحت عينيّ ووجدت نفسي أمام نساء كن يحملن السلاح وباللباس العسكري في الجبال.."، لويزة حنون نقابية جزائرية وسياسية يسارية كرست حياتها دفاعا عن قضايا المرأة العربية وحقوق العمال حتى أصبحت رمزا للدفاع عن المضطهدين من الشعب الجزائري مهما كان لونهم.

تلقب في المشرق العربي بسيدة المغرب العربي، وهي أول إمرأة ترشح نفسها للرئاسة في الجزائر‏، وفي العالم العربي،‏ وكانت المرة الأولى التي تعلن فيها ترشحها للانتخابات الرئاسية في الجزائر في يناير‏1999، وقالت في ذلك الوقت إنها قبلت ترشيح اللجنة المركزية لحزب العمال‏ من أجل طرح رؤى الحزب وتصوراته حول حقن الدماء ووقف أزمة الصراع المسلح القائم بين النظام الجزائري وفصائل متعددة تتبنى أفكارا موالية للإسلام السياسي، وعقد مؤتمر عام للمصالحة يضم القوي الوطنية‏.

كما صرحت في ذلك الوقت أنها تختلف مع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وكل الزعماء المتأسلمين – على حد وصفها- وأنها تعتبر الجيش والإرهاب وجهين لعملة واحدة‏، ولن يصلح أمر البلاد‏، ولن يسود السلم الاجتماعي إلا بصلاح الإثنين معا‏.‏

مثل هذه التصريحات وغيرها هي علامة تميز حنون عن بقية الساسة في بلادها، فقد عرفت بصراحتها وجرأتها، وهي لا تخشى التعبير عن موقفها ويرى زملاؤها في الحزب أنها قادرة على التعبير عن وجهة نظر الحزب لكن برصانة واتزان، وتعارض لويزة الحكومة مثلما تعارض التيارات الدينية، وقد وقفت ضد تدخل الجيش في الحياة المدنية وضد الخلط بين الدين والدولة وفي نفس الوقت بقيت دوما تدافع وتطالب بالإفراج عن المعتقلين السياسيين وخاصة الإسلاميين منهم.

لذلك يقول عنها الرجل الثاني في الحزب الإسلامي بالجزائر علي بلحاج: "هي الرجل الوحيد في الجزائر" اعترافا منه بمواقفها الشجاعة في دفاعها عن الإسلاميين وجرأتها النادرة، هي امرأة تنطق باسم الرجال والنساء في حزبها، على حد السواء، ولفرط شجاعتها وصلابتها يصفها البعض بالديكتاتورية، في حين يرى البعض الآخر في دكتاتوريتها ميزة الزعماء الأقوياء، لأنها تجعلها تمسك بزمام الزعامة ومنصب الأمانة العامة بقبضة من حديد .

تعبر عن وجهة نظرها دون خوف أو تردد وتتدخل في كل ما يتعلق بشؤون الجزائر والعالم، تطالب بقانون أسرة مدني، تتحدى الحكومة وتتهم بعض وزرائها بالعمالة لجهات أجنبية وبالفساد، تعارض خصخصة الشركات السيادية بالجزائر، وتدعو للمسيرات وتمشي فيها فيتبعها الآلاف، ترفع صوتها عاليا ولا تخشى شيئا.

هي أبرز سيدة على الساحة السياسة الجزائرية، ولا أحد ينكر أن لويزة حنون مناضلة تتصدر الصفوف الأولى دوما، كما أن ما وصلت إليه لم يأت محض صدفة وإنما بعد نضال سنوات دخلت خلالها السجن بعد اعتقالها عدة مرات، ولقد ولجت عالم السياسة في وقت كان فيه الحديث عن إمرأة سياسية نادرا في الجزائر وذلك عام 1979، كما نشطت تحت عباءة المجتمع المدني في مجال حقوق المرأة وخارج إطار جبهة التحرير الوطني، الحزب الحاكم آنذاك، وهو الأمر الذي سبب لها الكثير من المشاكل.

ودخلت حنون المعترك السياسي منذ مطلع الثمانينات عبر المنظمة الاشتراكية للعمال واعتقلت عام 1983 بتهمة المساس بالمصالح العليا للدولة والانتماء لتنظيم من المفسدين، وهي تهمة خطيرة خاصة في زمن حكم الحزب الواحد، ولم يصدر حكم ضدها إلى حين تم الإفراج عنها في شهر ماي/ أيار عام 1984، وفي أحداث أكتوبر/ تشرين الأول 1988 الدامية والتي خرج فيها الجزائريون ناقمين على الحكام ومطالبين بإحداث ما يلزم من تغييرات، كانت حنون من بين المتظاهرين فألقت قوات الأمن القبض عليها، لكن نزولها بالسجن هذه المرة لم يطل، حيث بقيت به ثلاثة أيام فقط.

أنا من مواليد الثورة التحريرية وقد شاءت الأمور أن أولد في بيت كان مأوى للمجاهدين والثوار من النساء والرجال، وقد فتحت عيني ووجدت نفسي أمام نساء كن يحملن السلاح وباللباس العسكري في الجبال.

وشاركت عام 1985 في تأسيس الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان، وبعد إقرار التعددية السياسية، أسست عام 1990 مع مجموعة من رفاقها حزب العمال، ومنذ ذلك التاريخ أصبحت الناطقة الرسمية باسمه، ومنذ ذلك التاريخ بدأت مواقفها السياسية ومواقف حزبها تبرز بشكل يثير الجدل في الساحة السياسية الجزائرية والمغربية ففي ديسمبر/ كانون الأول عام1991 قاطع حزب العمال الانتخابات البرلمانية التي فازت فيها جبهة الإنقاذ، وفي الوقت نفسه عارض مبدأ إلغاء الشوط الثاني من هذه الانتخابات الذي كان مزمعا إجراؤه في يناير/ كانون الثاني 1992.

وفي يناير/ كانون الثاني 1995 وقعت لويزة حنون ما عرف باسم "عقد روما" مع حزب جبهة التحرير وجبهة القوى الاشتراكية والجبهة الإسلامية للإنقاذ، وهو -حسب موقّعيه- يمثل الأرضية السياسية التي يتم بموجبها اقتراح مخرج للأزمة التي تعيشها الجزائر.

وفي انتخابات 5 يونيو/ حزيران 1997 أصبحت لويزة حنون مع ثلاثة من أعضاء حزب العمال، أعضاء في المجلس الشعبي الوطني أي البرلمان الجزائري، وأرادت ترشيح نفسها في الانتخابات الرئاسية التي جرت عام 1999 لكنها لم تحصل على الـ 75 ألف توقيع التي ينص عليها قانون الترشح.

وعندما جاء موعد الانتخابات الرئاسية لعام 2004، لم تضيع حنون الفرصة وبذلت قصارى جهدها للحصول على 75 ألف توقيع من المواطنين في 25 ولاية جزائرية، و نالت مرادها وتمكنت من الترشح للرئاسة، الأمر الذي شكل حدثا في الجزائر وفي كل الدول العربية، وتناقلت الخبر وسائل الإعلام المحلية والعالمية. ورغم أنها لم تفز بهذه الدورة إلا أن مشاركتها نفسها لم تكن شيئا هينا أو عاديا، فقد أدخلتها التاريخ وأصبحت أول إمرأة جزائرية تترشح لمنصب رئيس الجمهورية، وتنافس رئيس البلاد عبد العزيز بوتفليقة.

إذن فمسيرة لويزة حنون السياسية جديرة بالتأمل فقد انتقلت من موظفة بسيطة في مطار عنابة وتتم دراستها الجامعية، إلى قيادة حزب له حضور في الساحة السياسية.

ولدت لويزة بتاريخ 7 أبريل / نيسان عام 1954 وفي منطقة جبلية بولاية جيجل الساحلية بالجزائر، وعن ذلك تقول: "أنا من مواليد منطقة ما يسمى بالقبائل الصغيرة وهي قرية فلاحية فقيرة جدا، أمي وخالتي كانتا مجاهدتين وكل النساء في العائلة والرجال طبعا.. لقد رأيت الموت والعنف والاستعمار ورأيت شجاعة الجزائريات وكنت كل يوم أسمع أن إحدى المجاهدات لم تعد للبيت، وهن شابات بعمر 17 و18 سنة.. هذا ما ظل راسخا في ذاكرتي وكنت حينذاك صغيرة حيث تركنا البيت بعد أن تم قصفه مرتين من قبل الجيش الاستعماري ولا يمكن أن تمحى هذه الأمور من ذاكرتي".

لويزة حنون في عالم السياسة يمكن أن تلقّب بالمرأة الحديدية التي لا يتفوق عليها الرجال في شيء، كما أنها على عكس أغلب النساء تصرح بعمرها دون أي إحراج وهي تقول دائما أن عمرها هو عمر الثورة الجزائرية، هكذا تفضل تقديم نفسها بكل فخر واعتزاز.

قررت لويزة الالتحاق بمقاعد الدراسة الجامعية رغم ظروف عائلتها المتواضعة، لتكون أول امرأة من العائلة تكسر حاجز عدم التمدرس للفتيات، ذلك لأن تقاليد العائلات المحافظة آنذاك تمنع الفتاة من التعليم. وعن أهمية التعلم تقول لويزة: "الحق في التعليم منحني القدرة على التعبير عن الرأي ومكنني من تمثيل المرأة"، ثم انخرطت لويزة الطالبة في حركة اليسار المتطرف الذي كان ينشط في الأوساط الجامعية في الثمانينات، وبعدها التحقت بمنظمة العمل الاشتراكي.

وتعد حنون وجهاً بارزاً في الحركة العالمية لمناهضة العولمة، لذلك شاركت في عدد من مؤتمراتها الدولية، كما وقفت ضد الحرب الأميركية على العراق ونظمت مسيرات احتجاجية فرقتها قوات مكافحة الشغب؛ وهي ضد الاستثمارات الأجنبية، وكانت دوما تردد تحذيرات من أن الضربة الأميركية المقبلة تستهدف بلادها بعد العراق‏،‏ وتؤكد أن الولايات المتحدة تسعي للزج بالعالم في حرب استنزاف تحت غطاء مكافحة الإرهاب الدولي‏، في حين أن هدفها الحقيقي هو القضاء على الشعوب العربية بعد الاستيلاء على ثرواتها‏، لأجل ذلك‏ ترفض حنون الاعتراف بـمفهوم العولمة وتتمسك بالدفاع عن الطبقة العاملة من منظور اشتراكي‏.‏

إن لويزة حنون رمز حقيقي للمرأة الجزائرية المعروفة بقوتها ونضالها وصبرها ولطالما نوهت بالدور الريادي الذي لعبته المرأة في استقلال الجزائر وبنائها، هي سيدة يغلب على طبعها التمرد منذ الطفولة ومنذ أن كسرت حاجز منع الفتاة من التعلم، تسلحت بدراستها وبجرأتها وبثقافتها لتلعب دورا رياديا للمرأة العربية في عالم السياسة، وكان لمشوارها النضالي الحقوقي تأثير كبير على مواقفها السياسية فهي تؤمن بالاختلاف وبحق التعبير حتى مع من يضعونها في خانة الشيوعية الكافرة وهم الإسلاميون المتشددون، الذين طالما دافعت عنهم وعن حقهم في الحرية وفي التعبير.

20