أول اختبار للرئيس المصري الجديد

الاثنين 2014/06/09

حفل التنصيب الذي أقيم للرئيس عبد الفتاح السيسي في القاهرة أمس الأحد، يعد بمثابة أول استفتاء سياسي عليه، وإذا كانت شعبيته الداخلية متفقا عليها، بحكم الأصوات التي حصل عليها في انتخابات الرئاسة، والملايين التي خرجت احتفاء به في الشوارع والميادين المختلفة، فإن شعبيته الخارجية ودرجة القبول بالتعامل معه تبلورتا من خلال حضور كبار المسؤولين حفل تنصيبه رئيسا، الأمر الذي يعدّ مؤشرا على الرغبة الكبيرة في الانفتاح على مصر في الفترة المقبلة، وتعويض الأشهر العجاف الماضية، التي أحجمت فيها دول كثيرة عن التعامل مع القاهرة، وبعضها ناصبها العداء.

مصر التي قامت بترتيب مراسم التنصيب بدقة، كانت تعي بضرورة أن يحدث ذلك وسط حفاوة بالغة، وتدرك الأهمية السياسية للاحتفال، باعتباره أول رسالة ستصل إلى العالم عن الرئيس الجديد، وأول اختبار أو استفتاء على طريقة التعامل معه، فالحضور الكثيف قطع الطريق على من زعموا أن السيسي سيكون معزولا، وروّجوا أن فترة حكمه سوف تتحول إلى وبال سياسي وحصار اقتصادي وقلق أمني، لذلك فمشاركة عدد من الرؤساء والملوك وكبار المسؤولين من قارات العالم المختلفة، مثّلت صفعة سياسية قوية على وجه من روّجوا لتكهنات سلبية حول فترة حكم السيسي، وكشفت قائمة الحضور أن الرجل سيحظى بالترحيب في غالبية الدول، وأن هناك استعدادا قويا لطي الصفحة القاتمة التي ظهرت عقب ثورة الثلاثين من يونيو الماضي.

وقد تأكد للجميع أن الحديث عن مستقبل جماعة الإخوان أصبح في مهب الريح، وأن شائعات عودة الرئيس المعزول محمد مرسي إلى الحكم تم وأدها بلا رجعة، وأن مصر الجديدة على وشك الوفاء بوعدها واستكمال خطة خارطة الطريق بعد شهور قليلة، حيث تجري انتخابات البرلمان، فالترحيب والتأييد والحفاوة التي ظهرت معالمها في حفل التنصيب أثبتت لجهات كثيرة أن هناك رغبة عارمة في التعامل مع الرئيس المنتخب، الذي وصل إلى موقعه عبر انتخابات ديمقراطية، شهدت بنزاهتها بعثات المراقبة الإقليمية والدولية، وهو ما يفتح أمام القاهرة أفقا إيجابيا لتطبيع علاقاتها مع عدد معتبر من العواصم الغربية، التي كانت تتشكك في إمكانية إجراء انتخابات رئاسية شفافة، وتعتقد أن للإخوان شعبية يمكن أن تؤثر على نسبة الحضور.

الواضح أن الرئيس المصري تجاوز أول محك خارجي لحكمه، وتبدو كلمات الغزل والإشادة بحد ذاتها دليلا على مدى ما يمكن أن تذهب إليه علاقات مصر مع قطاع كبير من دول العالم، شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، كما أن الوعود الاقتصادية التي ظهرت في كلمات وخطب بعض القيادات العربية وغير العربية، تعزز الاستعداد الخارجي لأن تكون مصر واحدة من الدول الرائدة اقتصاديا في المنطقة، وتدفع باتجاه توفير أنواع متعددة من الدعم والاستثمارات في المشروعات الكبرى التي أعلن عنها الرئيس الجديد، وتدحض فكرة العزلة التي تناقلتها بعض وسائل الإعلام التابعة للإخوان، وتنهي ما تردد حول مواجهة مصر خريفا اقتصاديا طاحنا.

الحاصل أن الخلاف مع النظام المصري لن ينتهي تماما، وأن نجاح السيسي في التخلص من جزء كبير من عبء المؤامرة على مصر ودول المنطقة لن يتم نسيانه بسهولة، لكن مصالح بعض القوى فرضت على أصحاب القرارات التكيف مع الواقع على الأرض في مصر وتنحية العداء جانبا، فقد ثبت باليقين لهم أن الرئيس عبد الفتاح السيسي مصمم على الحفاظ على استقلالية قراره الوطني، وعازم على أن يكون لبلاده مكان لائق تحت الشمس، ولديه من الأدوات والمفاتيح ما يمكنه من إحراج بعض القوى الساعية إلى النيل من مصر، وهنا تفرض الحنكة التراجع خطوة وأكثر، لتفويت الفرصة عليه للاستعانة بدول معادية، وعدم منحه فرصة لمزيد من التضخم وحصد بطولات شعبية حقيقية.

إتمام حفل التنصيب وسط حضور إقليمي ودولي يشير في الوجدان العام، إلى القبول بالسيسي زعيما وقائدا، خاصة من الدول التي كان تمثيلها الرسمي عالي المستوى، وهي في غالبيتها دول عربية وأفريقية، وهذا يعني أن الحضور المصري على هاتين الساحتين سيكون لافتا، وأن تدخل القاهرة لإطفاء بعض الحرائق الإقليمية لن يكون مستبعدا، حيث ساهم الفراغ الذي نتج عن غيابها خلال السنوات الماضية في نشوب أزمات في سوريا واليمن وليبيا، واستفحال أزمات في السودان والصومال وجنوب السودان وغيرها، ومنح هذا الغياب فرصة لدول نهمة للقيام بدور، وأخرى لديها أجندات خاصة، بالعبث في مصير قضايا كثيرة، وحرفها عن طريقها خدمة لأغراضها، والمتوقع أن تفضي عودة مصر لدورها إلى تصحيح بعض المسارات السياسية، وتخفيف حدة عدد من الأزمات الإقليمية.

إذا كان الرئيس المصري الجديد تجاوز بامتياز مرحلة الترحيب الكبير بشرعيته السياسية، فإن عملية جس النبض تجاه سياساته الخارجية سوف تستمر بضراوة، وعليها يمكن أن تتوقف درجة التطبيع المنتظرة من قبل بعض القوى الغربية، ولأن السيسي رجل منضبط ويدرك جيدا موازين ومعادلات القوى في المنطقة، فإنه حتما سيتجاوز أي مطبات علنية أو اختبارات سرية، ومن الصعوبة أن يقع في أي فخاخ إقليمية يتم تجهيزها له أو نصبها بالقرب منه.


كاتب مصري

9