أول خطوات التنوير تبدأ بهزيمة المؤسسات الناقلة للتطرف

رئيس جامعة القاهرة محمد عثمان الخشت: مكافحة التطرف تتطلب تغييرا يطال ماكينة التفكير عند الشعوب.
الاثنين 2018/09/03
الحداثة لا تعترف بالجمود

مثلت جامعة القاهرة مركزا مهما لاستقطاب وتجنيد الطلبة من قبل الجماعات الإسلامية، وفرض أفكارها المتشددة بين الشباب والفتيات. وشكلت الرؤية التي يتخذها رئيس الجامعة محمد عثمان الخشت لمواجهة التطرف الجامعي مؤخرا، نقلة للتخلص من البؤر الجاذبة لهذه الجماعات، كبداية لمواجهة الأفكار الأصولية، وتفكيكها وتحويلها إلى أجزاء صغيرة يمكن التخلص منها نهائيا، وإعادة بناء عقول منفتحة على الثقافات المختلفة

القاهرة – تأخذ المواجهة الفكرية للتطرف أهمية متزايدة في مصر، في وقت تستمر فيه الجهود الأمنية لإضعاف التنظيمات الإرهابية، غير أن تلك المواجهة تتم في جزر منعزلة، مع عدم اعتماد الحكومة خطة قومية تستهدف عقول المصريين لاقتلاع التطرف من جذوره.

وبزرت بعض التجارب الرامية إلى مكافحة التطرف في المؤسسات المختلفة، وأبرزها تطبيق نظام تعليمي جديد في المراحل الأولى من التعليم الحكومي، بالإضافة إلى إقرار جامعة القاهرة وثيقة الثقافة والتنوير، والتي بمقتضاها اتجهت إلى تدريس العلوم الفلسفية لطلابها.

وأعلن رئيس جامعة القاهرة، محمد عثمان الخشت، منذ أن تولى منصبه في أغسطس من العام الماضي، أن أول أهدافه تأسيس تيار عقلاني داخل الجامعة “مقاوم للإرهاب والتطرف والرجعية والأصوليات التي تدعو إلى إبطال عمل العقل في فهم الواقع أو النص الديني”.

وأشار الخشت في حواره مع “العرب”، إلى أنه مع انطلاق العام الدراسي الجديد تطلق الجامعة مشروعا يحمل عنوان “تطوير العقل المصري”، بدأ الإعداد له منذ الإجازة الصيفية باختيار 600 طالب لتدريبهم على مهارات التفكير المبتكرة عبر إقامة معسكر داخل الجامعة، تضمن العديد من الندوات والتدريبات على أسس التفكير الحديثة ونقد الأفكار المتطرفة.

وقال إن مكافحة التطرف تتطلب تغييرا كبيرا، يطال ماكينة التفكير عند الشعوب، التي لا تشجع على التحليل والنقد وتجعلها أكثر تقبلا للعشرات من الأفكار المتشددة والتي تمر عليها بشكل يومي.

وأضاف أن تغيير طرق التفكير يستهدف تطوير العقل، وذلك يتطلب السير في مستويات متوازية من خلال الإعلام والمؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية وقصور الثقافة ومراكز الشباب، ويؤسس لبناء دولة حديثة، وهو ما يتطلب جهودا على المستوى القومي.

وأشار إلى أن تفتيت الأفكار الراسخة في عقول المصريين أحد عناصر التطوير، بحيث تروج مؤسسات الدولة المختلفة لمنهج علمي يقوم على نسف الأفكار المركبة، ويجعل المواطن يرى ما يطرح أمامه بشكل أوضح عبر أسس جلية للتفكير العلمي.

تغول إسلامي في الجامعة

أوجدت الجماعات الإسلامية نفوذا لها في جامعة القاهرة في السبعينات من القرن الماضي، مع فتح الرئيس أنور السادات الطريق أمام شباب تلك الجماعات للعمل بحرية لنشر الأفكار الأصولية المتطرفة لسحب البساط من الكتل الشيوعية المتأصلة في العمل الجامعي، وامتد نفوذ هؤلاء إلى غالبية الجامعات المصرية.

نجحت جماعة الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية على مدار نحو خمسين عاما، في التوغل والتغول داخل أركان أغلب الكليات ومحاولة تفريغ محتوى الطلبة الفكري واستبداله بآخر مبني على السمع والطاعة.

وقام الخشت في جامعة القاهرة بتطبيق التنوير عبر جملة من الخطوات، بدأها بتطوير اللوائح التعليمية وربطها بالعلوم الفلسفية والمنطق، وهو ما نتج عنه استحداث 11 لائحة جديدة و27 برنامجا دراسيا لطلاب الجامعة، واستحداث 44 برنامجا تعليميا جديدا وتطوير 18 آخرين لطلاب الدراسات العليا، وسيجري العمل بها مع بدء العام الدراسي الجديد.

تتلاقى الخطة مع الرؤية الشاملة لتجديد الخطاب الديني، ويرفض الخشت تجديد الخطاب التقليدي، ويرى أن ذلك أشبه بعملية ترميم بناء قديم، والأجدى إقامة بناء بمفاهيم ومفردات جديدة، وتفكيك الـتأويلات المغرضة.

وصنفت منظمة اليونسكو الخشت ضمن الفلاسفة العرب المعاصرين في “موسوعة فلاسفة العصر”، الصادرة عن كرسي اليونسكو للفلسفة في العام 2017. وتضمنت الموسوعة بحثا علميا عنه بعنوان “الخشت وألعاب الفلسفة: البعد التجديدي في فكر الخشت” للباحث ماهر عبدالمحسن.

المواجهات المنفردة للتطرف لا تجدي، لكنها تحتاج إلى تنسيق وحوار أمني وثقافي وعلمي في إطار السياق الثقافي الراهن

بلغت مؤلفات الخشت في مجال الفلسفة 41 كتابا، و24 كتابا محققا من التراث الإسلامي، وله 27 من الأبحاث العلمية المحكمة المنشورة، وترجمت بعض أعماله إلى لغات أخرى (الألمانية والإنكليزية والإندونيسية)، وأبرزها كتاب “مدخل إلى فلسفة الدين”، وهو أول كتاب في الفكر العربي الحديث وصدر عام 1993.

وأوضح الخشت لـ”العرب” أن التطوير يشمل طريقة التفكير من خلال استحداث مادتين لطلاب جميع كليات ومعاهد الجامعة، الأولى “التفكير النقدي”، والثانية “ريادة الأعمال”، لتعريف الطلاب بكيفية تفكيك المصطلحات والأفكار الرجعية التي تصدر إليهم في شكل عناصر صغيرة يسهل تحليلها بوضوح لدعم مهارات التفكير النقدي، والاعتماد على أنفسهم في إدارة مشروعاتهم المستقبلية.

دشنت جامعة القاهرة موسمها الثقافي الجديد، والذي بدأ لأول مرة العام الماضي، تحت عنوان “تطوير العقل المصري”، وتضمن العشرات من الندوات وورش العمل والمؤتمرات حول كيفية توظيف نظريات التفكير الحديثة في المناهج الدراسية، ونشر ثقافة التفكير النقدي بحيث تصبح أساس ممارسة الطلاب والأساتذة داخل الجامعة.

صراع الهوية

يؤمن الخشت بأن الدولة المصرية بشكل عام تواجه صراعا على هويتها ما بين التيارات الأصولية الرجعية، والتي تروج للأفكار المتطرفة وتسعى لجر الثقافة الشعبية نحوها وبين التيار المدني المعاصر، الذي يحاول تثبيت أركانه، وذلك يتطلب دعم مؤسسات الدولة وتأكيدها على هويتها المدنية والعقلانية وتقوم على حرية الرأي وعدم التمييز، وتنتهي إلى تأسيس تيار عقلاني في مواجهة التيارات الرجعية.

وصدرت عن جامعة القاهرة في أكتوبر الماضي “وثيقة التنوير”، وهي بمثابة إعلان واضح لهوية الجامعة، والتي تحدد من خلالها مفهوم التنوير بوصفه ممارسة عقلانية تقترن بالجرأة على استخدام التفكير العقلاني النقدي بالمعنى الحداثي.

في مقدمة أهداف الوثيقة، تكوين منهج يعتمد على التأويلات العقلانية المتعددة والقراءة العلمية للنصوص الدينية بوصفها البديل عن التفسير الواحد والحقيقة المطلقة، والانفتاح على التيارات العالمية، وبناء نسق فكري متطور في مواجهة النسق الفكري المحافظ والجامد.

ويرى الخشت أن وثيقة التنوير تضرب العقول المغلقة التي تستغلها التنظيمات الإرهابية لاستقطابها في مقتل، وتحول أسلوب التعليم داخل الجامعة من الحفظ إلى التحليل والابتكار، ما يساهم في دعم الدولة في حربها التي تخوضها في مواجهة العقول الجامدة.

ويذهب في كلامه مع “العرب” إلى التأكيد أن أصعب معركة سوف تواجه الدولة المصرية السنوات المقبلة ستكون مع العقول المغلقة، لأنه تمت صناعتها على أعيننا وليس في الزوايا ومجالس العلم المزيفة فقط، لكن في المناهج التعليمية التي تنتج “ماكينات” للحفظ لا عقولا تفكر تفكيرا نقديا، وهذه الماكينات تتغذى على منظومة هشة، وإعلام يكرس العنف في الحوار، وفن يعيد إنتاج أسوأ ما في حياتنا بحجة أن الفن مرآة للواقع.

ومع أن المشروع يصلح للتطبيق في جميع المؤسسات التعليمية المصرية، إلا أنه يظل حتى الآن قاصرا على جامعة القاهرة. ويأمل الخشت أن يكون هناك تعاون بين الجامعات المصرية لتطبيق تلك المناهج، وهو ما يتوقعه عقب تحقيق نجاحات يصبح أثرها ملموسا.

ويرى خبراء أن المواجهات المنفردة للتطرف لا تجدي، لكنها تحتاج إلى تنسيق وحوار أمني وثقافي وعلمي في إطار السياق الثقافي الراهن، من خلال جهود منظمة بين المؤسسات المختلفة، وتتسع هذه الجهود لتشمل تفعيل المنظومة الثقافية والإعلامية في مواجهة الإرهاب.

ولعل ذلك تحديدا ما تحاول جامعة القاهرة تطبيقه حاليا من خلال الفرع الدولي الجديد للجامعة والذي سيبدأ العمل به خلال العامين القادمين، وسوف تقوم الدراسة فيه على البرامج المشتركة بين جامعة القاهرة والعديد من الجامعات العربية والدولية.

ودشنت جامعة القاهرة مؤخرا شراكات علمية مع جامعات هيروشيما وكامبريدج، ومانشستر وجورجيا وليفربول، في مجالات علوم تكنولوجيا المستقبل المتطورة مثل النانو تكنولوجي وريادة الأعمال.

13