أومسن مهاجر أفريقي جند 80 بالمئة من الجهاديين الفرانكفونيين

السبت 2016/08/13
أومسن جهادي فرنسا الخارق أم قائد روحي شاب؟

باريس- بث والداه عبر حساباتهما على موقع تويتر خبر وفاته. تنفس جهاز المخابرات الفرنسية الصعداء. أبرز الجهاديين الفرنسيين مات. أنجح المُجنّدين للإسلاميين قُتل. صاحب كتيبة “الغرباء” الفرنكفونية فارق الحياة. فارقها تاركاً خلفه أكثر من ألفي مقاتل فرانكفوني في أرض الجهاد الشامي. بأقل تقدير هو من جند ثلاثة أرباعهم. والأمن الفرنسي ينتظر تفكك وانهيار منظومات هذه الجماعات. للحلم نهاية، كما يقولون.

أحد صحافيي القناة الفرنسية الثانية أبطل جمالية المشهد مع نهاية مايو المنصرم. وصل للجهادي الفرنسي الأول، عمر أومسن المعروف باسم عمر ديابي. أجرى معه مقابلة عبر السكايب. أرسل مصوراً سورياً إلى معسكر أومسن، لتوثق القناة فيلماً كاملاً عن حياة الجهادي الخارق كما يحلو للصحافة الفرنسية نعته.

بسيط وهادئ. ككثير من الأفارقة يحمل ملامح طفولية. ابتسامته دائمة. قرر بنفسه من وماذا وكيف يتم التصوير في معسكره الخاص؟ عمّى الوجوه التي لا يراد لها أن تُعرف اليوم. تحدث بفرنسية أفريقية عن محور اهتمامه الدائم ألا وهو “الهجرة”.

الغرباء

ثلاثة أيام من التصوير مع أومسن وكتيبته. شبان فرنسيون بأعمار تتراوح بين 20 و25 عاماً. معظمهم من أصول مهاجرة، أفارقة وعرب. جمعتهم الهجرة إلى أومسن، وكذلك حلم الجهاد المقدس. قسم كبير منهم من مدينة “نيس” التي جاء منها قائدهم. من أين له القدرة على التجنيد؟ ما هي رسالته؟ لماذا لم ينضم إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)؟ لماذا بقي قريباً من جبهة النصرة “جبهة فتح الشام”؟ من أين يموّل أعماله الجهادية؟ ما هي رسالته السرية الجذابة؟ ما الذي يدفع بهؤلاء لترك أوروبا والرحيل إلى بلاد القتال والحرب والموت؟ هل هي العقيدة فقط؟

أومسن يتصرف كقائد روحي. يعيش مع مقاتليه في ذات المعسكر. يقاتل معهم. يلهو ويمارس الرياضة معهم. يركب سيارة “بيك أب” برفقتهم جميعاً. لا عمامة تزين رأسه وإن وضع وشاحاً لبعض الوقت في جسد رياضي لرجل بلغ اليوم 41 عاما.

يُبسّط الحال، هي ليست إلا هجرة من بلاد الغرب التي حرم الرسول محمد العيش فيها. كيف لنا أن نترك أرض الجهاد الشامي التي اعتبرها الإسلام أرض الخاتمة. هذه الأرض التي وصلها أومسن مع بدايات العام 2013. أول ظهور إعلامي صريح له كان عبر قناة الجزيرة الإنكليزية في أكتوبر من ذات العام، ليعلن نظريته بالقتال من أجل المسلمين. نظرية قريبة جدا من فكرة النصرة. لا نقيم خلافة اليوم. نقاتل لأجل المظلومين والمحرومين والمسلمين البسطاء. نعلّمهم الدين والشريعة ليطالبوا بتطبيقها. هي إذن خطة مدروسة تبدأ من القاعدة إلى رأس الهرم لا العكس. هذا ما أبعد أومسن عن تنظيم داعش. لم يبايع الخليفة البغدادي. لم ينصهر كليا مع النصرة. غريب مع غربائه.

قسم كبير من جهاديي أومسن من مدينة نيس التي جاء منها قائدهم. لم يتساءلوا من أين له القدرة على التجنيد؟ لماذا لم ينضم إلى تنظيم داعش؟ لماذا بقي قريبا من جبهة النصرة "جبهة فتح الشام"؟ من أين يمول أعماله الجهادية؟ أو حتى ما هي رسالته السرية الجذابة؟

“هو أخي الكبير.. أحبه جداً” هذا ما قاله عنه أحد مقاتليه الصغار. إذن هو قائد روحي، أعاد إنتاج تجربته مع الغرب الذي أدخله السجن لمرات عدة وفيه تعلم السلفية الجهادية. تجربة السجن تلك وفكرة الاضطهاد التي يعيشها المهاجرون عموماً في أوروبا تطورت في عقل “أومسن”. باتت الفكرة أفلام دعوة تحمل عنوان “إتش إتش 19” ليست إلا رمزا لمقاتلي “غزوة منهاتن”. إذن المسألة كلية، لا شيء ضد فرنسا بشكل مباشر. عقل يخالف الفكرة الغربية لإدارة العالم. عقل هاجر إلى سوريا ليعود إلى الماضي المراد.

جذب أومسن ما جرى في سوريا سريعاً. ترك نيس وأهله وأقرباءه وهاجر إلى أرض الشام. يدفعه شعور عتيق بالاغتراب ورغبة جامحة لتأكيد الهويّة والانتماء الديني من خلال الجهاد في سوريا “أرض الخاتمة”. رغبة شديدة بالانتحار تتمثل بمسمّى “الشهادة”. إذن هي جملة من الأسباب يضاف لها التماهي مع الضعفاء. فهم منّا ونحن منهم. نصرة لأهل السنة في مواجهتهم مع العدوان الكافر. حلم في إقامة الخلافة وتطبيق الشريعة الإسلامية ضمن حدود دولة إسلامية عالمية.

الهجرة

كلمة السر التي يعيدها كثيرا أومسن إن كان في تسجيلاته المصورة أو في مقابلاته، هي “الهجرة”. كلمة بدلالة كبيرة. بعدُها التاريخي مع هجرة الرسول إلى يثرب تاركاً مدينته الأم مكة ومرافقاً أهله الجدد المسلمين إلى مدينتهم. مشهد يثير الحماسة ويبسّط الرواية.

هجرة الرسول ليست الوحيدة في المشهد الإسلامي التاريخي. تبعتها هجرات كثيرة. آخرها وأكثرها رونقا في عيون الجهاديين اليوم هجرة أسامة بن لادن لبلاده سعياً للجهاد في سبيل الله. ثري سعودي، وشاب متعلم، ترك المال والعائلة وهاجر. قاتل “الكفار” الروس في أفغانستان من ثم قاتل “الكفار” الأميركان في بلاد شتى وفي عقر دارهم. ضربهم ضربة موجعة استحالت رمزاً لقتال السلطنة العالمية الجديدة “أميركا”. استحالت رمزا للمسلمين المضطهدين في مشارق الأرض ومغاربها.

التشكيلات الجهادية الأجنبية في سوريا تضم 2147 فرنسيا حتى نهاية شهر يوليو الماضي. قتل منهم 187. وعاد منهم 203. و179 في حالة عبور. 680 في سوريا والعراق. 80 بالمئة منهم جندهم أومسن

التقى ركب المجاهدين في باكستان قبيل دخول أرض الخلافة الأفغانية. استقر الفتح في أفغانستان وبدأت معسكرات التدريب تتسع وتحاول أن تتخطى الجغرافيا كما هي دوماً. جاءت عمليات ضرب السفارات الأميركية التي باتت تمثل مقرات “كفار قريش” و”الروم” و”الفرس”.

انسحب التاريخ على الواقع بمسمياته الجديدة. استمرت المعركة إلى أن ترتبت هجمة سبتمبر عام 2001، وسُمح لها أن تتم. ردت أميركا “روما العصر” رداً قاسياً. اجتاحت أفغانستان ومن ثم العراق. أحكمت سيطرتها العسكرية على العالم. عززت قواعدها العسكرية في كل أرض.

“روما” تزداد قوة والمسلمون الجهاديون، أصحاب “الدين الجديد” ينحسرون أمام هذه الموجة الدموية. باتوا أسرى في غوانتنامو. قتلى تتغذى عليهم أسماك البحار كما حال بن لادن. مشتتون في الأرض كحال الظواهري.

ولد المشهد السوري. جاء الفرج الأخير، لتتحقق الرواية. خطة مُنظّر القاعدة الأول أبو مصعب السوري تتحقق. أرض الختام تشتعل. يتسارع المشهد مع نهاية العام 2012 وتبدأ الحركات الجهادية الإسلامية بالتوغل في الأرض الشامية. “مجلس لشورى المجاهدين” على أطراف البلاد الشمالية. يمثل مجلس “بيشاور” الباكستاني ومنه كانت البداية. أقلعت جبهة النصرة، رديفة القاعدة في البلاد.

العراق حينها كان يغلي على نار الطائفية منذ سنوات عشر. تمدد تنظيم الدولة الإسلامية ليصبح تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام مع منتصف العام 2013. المشهد يزداد تعقيدا لكلّ المحللين ويزداد إثارة للمجاهدين. تصبح سوريا قبلة البنادق. تتصاعد حدة الصراع مع تكشف التورّطات الطائفية الإيرانية واللبنانية، تأتي روسيا لتزيّن “قالب الحلوى الجهادية” بألق القتال الأفغاني. جنود أميركيون وفرنسيون وألمان يقاتلون اليوم مع القوات الكردية “الكافرة”. كل التفاصيل تصب في بحيرة الضعفاء الراغبين بحقهم.

قيادات دينية تذكي نار الجهاد في كل أنحاء الأرض. “أبو بكر بشير” و”أمان عبدالرحمن” من قيادات الجماعة الإسلامية في إندونيسيا، والداعية الأميركي فلسطيني الأصل أحمد موسى جبريل، والداعية الأسترالي موسى سيرانطونيو.

قرر بنفسه من وماذا وكيف يتم التصوير في معسكره الخاص

لم يتأخر أومسن عن الركب. أعلن شعاره “الهجرة” وانطلق عبر إصدارته الترويجية الناطقة بالفرنسية فبات قبلة الفرنكفونيين في العالم. أعلنها حربا مقدسة في سوريا. رحل إليها ليجذب العشرات من مدينته إلى مقرّه ومعهم العشرات من المقاتلين الذين التفوا حول تنظيم داعش. كلهم جاؤوا تحت عنوان الجهاد المقدس. قواسمهم المشتركة كثيرة، مسلمون. مهاجرون في بلاد غربية. أبناء الجيل الثاني أو الثالث لعائلات مسلمة. عاطلون عن العمل. يصنفهم المجتمع ضمن قطاع الفاشلين. قسم كبير منهم من روّاد السجون. باتوا من أتباع شبكات أو خلايا متطرفة محلية، كجماعة “المهاجرون في بريطانيا”، و”شريعة في بلجيكا”، ومجموعة “فرسان العزة” في فرنسا، وجماعة “ملة إبراهيم” في ألمانيا. من هنا دخلوا ميدان القتال العالمي. باتوا جزءاً من سرايا الجهاد العالمية.

لا عودة

البعض الذي بقي بعيداً عن هذه الجماعات اجتذبته شبكات التواصل الاجتماعي وإصدارات كثيرة تغرق الشبكة اليوم. منها بالفرنسية إصدارات أومسن. وكان من أوائل الذين ركزوا على الصورة الجاذبة للجهاد في سوريا. مدينة جهادية في بلاد الشام. فرح مُصور، وجنّة منتظرة. جماعة تربطها علاقة روحية شديدة التوهج. نقاتل قليلا ونضحك كثيراً. نتزوج ما نشاء من النساء بكل يسر. نحكَم بشرع الله. نضمن الدنيا والآخرة. فماذا بعد؟ إنها اللاعودة، التي أقرها الكثير من المقاتلين الأجانب ممن أحرقوا جوازات سفرهم. أعلنوا رسميا بأنهم لن يعودوا إلى بلاد “الكفر”.

ضمت التشكيلات الجهادية الأجنبية في سوريا، 2147 فرنسيا حتى نهاية شهر يوليو الماضي. قتل منهم 187. عاد منهم 203. و179 في حالة عبور. 680 في سوريا والعراق. 80 بالمئة منهم جنّدهم أومسن، المولود في السنيغال قبل أن ينتقل للعيش في فرنسا بعمر السبع سنوات. ترعرع في مدينة نيس البحرية. سجن عدة مرات بحسب الإعلام الفرنسي ما دفعه للتطرف.

زعيم ببشرة سوداء وفم باسم. يدير معسكراً جهادياً بالقرب من إحدى قرى جبل اللاذقية في سوريا. تعتبره المخابرات الفرنسية المطلوب رقم واحد. ويعتبره الإعلام الفرنسي “الجهادي الخارق”. يعتبر أن العدالة أصابت صحافيي “شارلي إيبدو”، ويتمنى لو كان هو المنفّذ. يدير “فرنسا الصغرى” الخاصة به، هناك في أرض الجهاد الشامي. أطفال وعائلات في أرض الميعاد، ولسان حالهم جميعا في معسكر “الغرباء” يقول “الحمد لله”، رفقة ابتسامة عريضة، تُقلّد ابتسامة قائدهم الروحي الشاب أومسن.

12