أون سان سوتشي حاملة نوبل للسلام تصمت عن مجازر بحق المسلمين في بلدها

السبت 2017/09/09
أون سان سوتشي زعيمة ميانمار التي تريد محو آثار هارون الرشيد

واشنطن- غضبت زعيمة حزب الأغلبية في ميانمار أونغ سان سوتشي عندما علمت أن مذيعة الـ”بي بي سي” البريطانية مشعل حسين مسلمة. قالت بعيداً عن الكاميرا “لم يقل لي أحد إن مسلمة ستجري معي المقابلة”.

حدث ذلك في أكتوبر 2013 وكانت يومها أقلية الروهينغا المسلمة تتعرض للتمييز والعنف من قبل الأغلبية البوذية التي تنتمي إليها سوتشي. معظم المراقبين برّروا صمتها وتهربها من أسئلة المذيعة مشعل آنذاك حول مقتلة المسلمين على أنه مسايرة للبوذيين الذين يؤيدونها في شبه إجماع والذين يضمرون الكراهية للمسلمين ولا يخفون رغبتهم في التخلص منهم بالتهجير أو الإبادة. كانت أونغ سان سوتشي وقتها تسعى لمنصب رئيسة الوزراء. وروى حادثة المقابلة وتصريحات سوتشي خلف الكاميرا بيتر بوبهام مؤلف كتاب “السيدة والجنرالات”.

كشف ذلك الكتاب النقاب عن لحظة فقدان زعيمة المعارضة البورمية الحائزة على جائزة نوبل للسلام رباطة جأشها بعد تضييق الخناق عليها بأسئلة المذيعة مشعل حسين حول عمليات التنكيل بالمسلمين في بلادها، وحدثت المشاحنة بين السيدتين الآسيويتين عندما طلبت المذيعة من زعيمة الرابطة الوطنية للديمقراطية في ميانمار مراراً وتكراراً إدانة المشاعر المعادية للإسلام وموجة المذابح الموجهة ضد المسلمين في ميانمار، لكن سوتشي والتي يعتبرها الغرب “قديسة” امتنعت عن ذلك مكتفية بقولها “أعتقد أن هناك العديد من البوذيين الذين غادروا البلاد أيضاً لمختلف الأسباب”، مضيفة “هذا نتيجة لمعاناتنا في ظل النظام الدكتاتوري”.

اللافت أنها اليوم رئيسة وزراء ميانمار ونحن في شهر سبتمبر من عام 2017، والمجازر المروعة ترتكب بحق رعاياها من المسلمين، ومع ذلك تلتزم الصمت أيضاً، ما دعا نفس المراقبين للتساؤل لماذا؟ وما هو مبررها وهي في قمة هرم السلطة الديمقراطية؟

تضم ميانمار حوالي 1.3 مليون من الروهينغا المسلمين يعيش كثير منهم في غرب البلاد، وتحديدا في ولاية “أراكان” حيث يقيم أكثر من مئة ألف منهم في مخيمات للنازحين منذ أعمال العنف الطائفية بين البوذيين والمسلمين التي خلفت مئات القتلى منذ عام 2012.

مأساة الروهينغا

في النزاعات الأهلية تختفي لهجة التسامح التي يتسم بها حديث الكهنة وقت السلم، ويتوارى خطاب السلام ليحل محله خطاب الكراهية. أحد كهنة البوذيين واسمه يونان داو بانا قال في الفيلم الوثائقي “إبادة مسلمي ميانمار” وهو كاهن معروف في مقاطعة راخين التي يسكنها مليون ونصف مليون بوذي وثمانمئة ألف مسلم “إن وجود المسلمين في راخين لا يهدد سلامة المقاطعة فقط بل وجود ميانمار كلها. لو أبقيناهم بيننا ستتحول بلادنا إلى إندونيسيا أو ماليزيا أو بنغلاديش، ستتحول إلى دولة مسلمة وهذا لن نسمح به”.

أحد أئمة المساجد في راخين لا يرى إمكانية للعيش المشترك بين البوذيين والمسلمين فيقول “لاشيء يجمعنا، لاشيء”. وتؤيده سيدة مسلمة فقدت معظم عائلتها في الحرب الأهلية “نحن نختلف عنهم في طعامنا فلا نأكل ما يأكلون وهم لا يأكلون ما نأكل، ونفس الشيء في لباسنا وعاداتنا، إنهم يكرهوننا، وعندما يبصرون مسلماً وإن كان طفلاً يقذفونه بالأحجار”.

كان المتوقع من سوتشي أن تعلن موقفاً واضحاً ضد العنف المفرط على المسلمين من رجال أمنها وجيشها بصورة خاصة، لكنها حتى اللحظة لم تفعل؟ ومنذ خمسة عشر يوماً، ينفّذ الجيش البورمي عمليات قتل ترقى لجرائم حرب، وفق الأمم المتحدة، بحق الأقلية المسلمة.

وقد تحدّث المجلس الأوروبي أواخر شهر أغسطس الماضي عن مقتل ما بين ألفين إلى 3 آلاف مسلم في هجمات جيش ميانمار بأراكان خلال 3 أيام فقط، في حين لا تزال سوتشي صامتة دون ردّ. هذا الصمت يحيلنا إلى البحث في سيرتها كشخصية مثيرة للاستغراب في تناقضها بين كفاحها من أجل الحرية والعدالة، وصمتها عن قتل الناس بسبب معتقدهم.

مدللة المجتمع الدولي

المسلمون في بورما يؤكدون أنهم سكان أصليون في منطقة أراكان منذ فجر التاريخ

سوتشي زعيمة معارضة سابقة في ميانمار ولدت في العام 1945. وتشغل حاليًا منصب مستشار الدولة في ميانمار، وهي أول من شغل هذا المنصب الذي يعادل منصب رئيس الوزراء.

تلقت تعليمها في المدارس الكاثوليكية ثم التحقت بإحدى الكليات في الهند عندما عملت أمها كسفيرة لبورما في الهند ونيبال. وحصلت على البكالوريوس في علوم الاقتصاد والسياسة من جامعة أكسفورد. ثم عملت في الأمم المتحدة في نيويورك لمدة ثلاثة أعوام في مسائل تتعلق أساساً بالميزانية.

بداية السبعينات من القرن الماضي تزوجت من الدكتور مايكل أريس وهو أستاذ بريطاني متخصص في أديان وثقافة التيبت، وأنجبت منه ولديها ألكسندر وكيم. وفي أواسط الثمانينات من القرن العشرين حصلت على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من كليه الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن.

عادت سوتشي إلى بورما لكي تعتني بأمها المريضة ولكنها في نفس الوقت قادت الحركة الديمقراطية في البلاد، وكان أن وضعت تحت الإقامة الجبرية في منزلها لكونها شغلت منصب أمين عام الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية أهم أحزاب المعارضة في بورما.

حصلت أون على جائزة سخاروف لحرية الفكر في العام 1990 وبعد عام واحد حصلت على جائزة نوبل للسلام بسبب دعمها للنضال اللاعنفي. وفي العام التالي منحت جائزة جواهر لال نهرو من الحكومة الهندية. كما حصلت على عدد من الجوائز العالمية في مجال حرية الفكر، كما قرر مجلس الشيوخ الأميركي بالإجماع منح ميدالية الكونغرس الذهبية وهي أرفع تكريم مدني في الولايات المتحدة لسوتشي مصدقاً قراراً كان اتخذه مجلس النواب بهذا الخصوص.

سوتشي التي تفوقت على مانديلا

هكذا تكون سوتشي تفوّقت على كل حملة جوائز السلام من المناضلين السياسيين السلميين، بمن في ذلك المناضل الجنوب أفريقي الراحل نيلسون مانديلا. لكن من ينظر جيداً في ثقافة سوتشي سيجد أن والدها هو أون سان مؤسس الجيش البورمي الحديث والذي تفاوض مع الجيش البريطاني ليحصل على استقلال بورما عام 1947 والذي تم اغتياله من قبل منافسيه السياسيين في العام ذاته.

وقد نشأت بذلك في رعاية والدتها وخين كيي وشقيقيها أون سان لين وأون سان أوو بمدينة رانغون. وقد توفي أخوها أون سان لين صغيراً وهو في الثامنة من عمره غرقاً ببحيرة المنزل. وهاجر أخوها الأكبر أون سان أوو إلى سان دييغو بكاليفورنيا بعد ذلك ليصبح مواطناً أميركياً. وبعد غرق أخيها الأصغر انتقلت مع والدتها إلى منزل آخر فالتقت هناك بشخصيات من خلفيات جديدة وآراء سياسية ودينية مختلفة.

وقضت معظم حياتها بموطنها بورما معتنقة الديانة البوذية ثيرافادا. واكتسبت والدتها وخين كيي بعد فترة مكانتها المرموقة كشخصية سياسية في الحكومة البورمية الحديثة وعينت كسفيرة في الهند ونيبال سنة 1960 وكانت ابنتها أون سان سوتشي ترافقها في أسفارها.

وعقب عودتها إلى بورما قام الجنرال ني وين زعيم الحزب الاشتراكي الحاكم في بورما بتقديم استقالته ممّا أدى إلى مظاهرات حاشدة تدعو إلى الديمقراطية في بورما قادتها سوتشي تمّ قمعها بعنف ثم قادت نصف مليون مواطن في مظاهرة حاشدة في العاصمة يوم الـ26 من أغسطس عام 1988.

وفي سبتمبر من نفس العام وصلت قيادة عسكرية جديدة إلى الحكم في البلاد ما أتاح لها الفرصة لتأسيس حزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية وأُعلنت الأمين العام للحزب، وفي السنة التالية تم وضعها تحت الإقامة الجبرية وتم عرض الإفراج عنها مقابل مغادرتها البلاد ولكنها رفضت.

أحد كهنة البوذيين يقول إن “وجود المسلمين في راخين لا يهدد سلامة المقاطعة فقط بل وجود ميانمار كلها”

وفي عام 1990 دعا المجلس العسكري الحاكم إلى انتخابات عامة في البلاد فقادت أون حزبها في الانتخابات لتحصل على أعلى الأصوات مما كان سيترتب عليه تعيينها في منصب رئيس الوزراء ولكن النخبة العسكرية رفضت تسليمها مقاليد الحكم واستمرت في وضعها تحت الإقامة الجبرية. كان لقاء سوتشي الأخير بزوجها أريس في إجازة عيد الميلاد سنة 1995 فقد ظلت في بورما ومنعتها الحكومة البورمية من لقاء زوجها.

وفي عام 1997 تم تشخيص حال أريس وإبلاغه بإصابته بسرطان البروستاتا ورغم مناشدة شخصيات بارزة مثل الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان والبابا يوحنا بولس الثاني للحكومة البورمية بالسماح لأريس بدخول الأراضي البورمية إلا أن الحكومة البورمية رفضت تلك المطالب بحجة أنها لا تريد تحمل مسؤولية صحته وليس لديها مرافق صحية ممتازة قادرة على رعايته.

وبدلاً من ذلك حثت الحكومة البورمية سوتشي على مغادرة البلاد لزيارته وكانت وقتذاك تحت الإقامة الجبرية المؤقتة لكنها لم ترغب بالخروج من الأراضي البورمية خوفاً من منعها من العودة بعد ذلك، إلى أن توفي وعمره 53 عاماً.

تسأل هل هم مواطنون

سيرة حياة سوتشي لا تُمكّن أيَّ مراقب سياسي أو متابع صحافي لها أن يتوقع منها موقفاً سلبياً من المجازر التي تعرّض ويتعرض لها المسلمون البورميون اعتباراً من عام 2012 ثم 2015 والآن 2017.

من بين تصريحاتها القليلة حول ذلك ما قالته للمراسلين في أعقاب حصولها على جائزة سلام بأنها لا تعلم ما إذا كان من الممكن اعتبار الروهينغا مواطنين بورميين أم لا. وهذا التصريح يتماهى مع وجهة نظر الغالبية العظمى من البوذيين في ميانمار الذين يعتبرون المسلمين دخلاء على بلادهم لكونهم حسب زعمهم أحفاد أولئك الجنود الذين استخدمتهم بريطانيا عندما احتلت بلادهم من 1824 وحتى 1948.

لكن المسلمين هناك يؤكدون أنهم سكان أصليون في منطقة أراكان منذ فجر التاريخ وأنهم دخلوا الإسلام بواسطة التجار العرب في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد، ويؤكد المؤرخ الشهير أر. بي. أسمارت صاحب كتاب “بورما غازيتر” أنه كان للتجار للعرب صلة وثيقة مع أهل أراكان منذ قبل العام 788 للميلاد.

12