أوهام الإسلام السياسي تطمع في أخونة النظام الجزائري

إخوان الجزائر يستغلون مرونة النظام السياسي في التعاطي مع التيارات الإسلامية، لتحقيق أطماعهم في السلطة.
الأربعاء 2020/04/08
أخونة النظام الجزائري أكذوبة متخيلة

تراهن دوائر إخوانية على الترويج لمقاربة دعم السلطات الجزائرية للتنظيم، لإيهام الرأي العام بتطابق خيارات السلطة مع أجندة التيار الإخواني، وهي المقاربة التي تريد المرور من خلالها إلى ما بعد مربع الهدنة السياسية بين الطرفين، واستغلال مرونة النظام السياسي في التعاطي مع التيارات الإسلامية، نحو أخونة سلطات البلاد على غرار ما هو في تركيا وقطر.

تعمل فعاليات إخوانية على الترويج لدخول السلطات الجديدة في الجزائر على خط القطبية الإخوانية في المنطقة، وتبرر ذلك بالفتور الذي يخيم على العلاقات الجزائرية التركية والجزائرية القَطَرية، وهو الأمر الذي ترجعه إلى شعور الدوحة وأنقرة بمنافسة جديدة من طرف الجزائر في استقطاب التيار الإخواني العالمي.

لكن حملة الزج بالنظام السياسي الجزائري في زاوية قيادة التيار الإخواني، لا يستبعد أن تكون مؤامرة كيدية للإيقاع بين الجزائر وشركائها التقليديين في منطقة الشرق الأوسط، لاسيما المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، وهما المعروفتان بمناهضتهما للعقيدة الإخوانية وإفرازاتها الأيديولوجية والأمنية، التي فرخت تنظيمات إرهابية مسلحة حولت المنطقة إلى بؤرة توتر خطيرة.

وتربط الجزائر والرياض وأبوظبي علاقات وثيقة خاصة خلال السنوات الأخيرة، لاسيما بعد مساعدتها على تجاوز موجة الربيع العربي منذ العام 2011، وهو الأمر الذي أغاظ الدوحة التي دخل وزير خارجيتها السابق في ملاسنة كلامية مع نظيره الجزائري الراحل مراد مدلسي في إحدى القمم العربية، وظلت الجزائر حينها عصيّة على رياح التغيير الذي قادته قطر وتركيا في المنطقة، ودفعت بأذرعها الإخوانية إلى الواجهة.

وتعمل تلك الدوائر على استغلال التقارب بين السلطات الجزائرية وبعض الأحزاب الإخوانية في البلاد في الآونة الأخيرة، للتسويق لنظرية تتنافى والعقيدة السياسية للنخب الحاكمة في الجزائر، خاصة بالنسبة للعسكر الذي يمثل العمود الفقري للدولة.

وتعرف العلاقات الجزائرية بقطبيْ التيار الإخواني العالمي، الدوحة وأنقرة، فتورا لافتا في الآونة الأخيرة، حيث أرجأت زيارة الأمير القطري الشيخ تميم بن حمد آل ثاني للجزائر لأسباب غير معلنة، لكن التأجيل جاء في أعقاب قرار الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، ترحيل المدير العام لشركة “أوريدو” المملوكة لقطر، الألماني نيكولاي بيكرز، على خلفية تهمة التخابر مع جهات أجنبية.

التقارب بين السلطة والإسلاميين مطلع الألفية تحت غطاء قانون المصالحة الوطنية، أحدث التباسا لدى القائلين بأخونة السلطة

كما كادت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، للجزائر نهاية شهر يناير الماضي، أن تتحول إلى أزمة دبلوماسية، على خلفية سعي الأتراك لجر الجزائر إلى الخلافات السياسية بين تركيا وفرنسا، وتوظيف الحقبة الاستعمارية بالجزائر، إلى ذريعة لرد الأتراك على التهم الموجهة لهم من طرف الفرنسيين حول ما يعرف بـ”مجازر الأرمن”. وهو ما أوّلَتْه دوائر إخوانية، بخلافات تعود إلى استشعار الدوحة وأنقرة، بدخول الجزائر على خط المنافسة لاستقطاب التيار الإخواني، خاصة بعد جلب أحزاب إخوانية محلية إلى معسكرها ودفعها إلى غسل يديها من الحراك الشعبي الذي كانت تدعمه منذ انطلاقته في فبراير من العام الماضي.

وسجل استخلاف تركيا للقطب الإخواني بالقاهرة بعد سقوط التنظيم هناك، تقاربا بين القطب الجديد وبين أكبر الأحزاب الإخوانية في الجزائر (حركة مجتمع السلم)، تجسد في نشاط واضح على خط الجزائر – تركيا، ما أوحى بإعادة ترتيب البيت الإخواني في الجزائر، لاسيما بعد رفع القيادة العامة للتيار في القاهرة، صفة الفرع الجزائري عن حركة “حمس”، بعد الخلافات التي دبت داخلها بين أبوجرة سلطاني وعبدالمجيد مناصرة بداية من عام 2011.

وظلت حركة مجتمع السلم بقيادة عبدالرزاق مقري، تهلل للتقارب بينها وبين الأتراك، وتحول الرجل الأول فيها إلى ذراع تركية في الجزائر، بعدما أبدى دفاعا عن تطور العلاقات الرسمية بين البلدين، في وجه ما يعرف بـ”التيار الفرانكو علماني” الموالي لفرنسا، واعتبر في إحدى تدويناته على فيسبوك، أن “تطور العلاقات الجزائرية التركية هو امتداد للعمق الحضاري والروحي بين البلدين وبين الشعبين، وأنه مقدمة للتحلحل من النفوذ الفرنسي”.

أخونة الدولة
أخونة الدولة

لكن الذي غاب عن منظري حملة القطبية الجزائرية للتيار الإخواني، أن الفعاليات الإخوانية المحلية لم ترتق، إلا في وقت محدود، إلى مستوى الفرع الجزائري للتيار خلال ثمانينات القرن الماضي، أثناء تزعم محفوظ نحناح ومحمد بوسليماني، لحركة “حماس” حينها (حركة المجتمع الإسلامي)، قبل أن تتكيف في منتصف التسعينات إلى “حمس” (حركة مجتمع السلم) امتثالا لتعديل دستوري حظر استعمال الهوية الحضارية أو الدينية في الشأن السياسي، وهو ما لا يؤهلها لأن تكون فاعلا مهما في ترتيب للشأن الإخواني بالمنطقة.

ويبدو أن التقارب المسجل بين السلطة والإسلاميين منذ مطلع الألفية، تحت غطاء قانون المصالحة الوطنية الذي أقره الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة عامي 1999 و2005، قد أحدث التباسا لدى القائلين بأخونة السلطة الجزائرية، لأن بنية النظام لا زالت تعتبر مؤسسة الجيش هي نواة السلطة، والمؤسسة ذاتها مهما تماهت مع تيار الحمائم المهادن، فإن الصقور الرافضين لأي تقارب مع الإسلاميين يأخذون تجليات تظهر في مؤسسة الجيش، كما تظهر في القوى السياسية والمجتمع المدني والإعلام، وهو دفع الإخوان إلى تبني خيار “المشاركة” أملا في تفادي الصدام مع السلطة والاستفادة من تجربة جبهة الإنقاذ المحظورة.

وإذ يعتقد هؤلاء أن التقارب المذكور يؤسس لأخونة النظام السياسي في البلاد، فإن تجربة تعاطي النظام مع الإسلاميين، بمختلف توجهاتهم، تبقى تجربة فريدة من نوعها، لأنها تتجاوز المد الشعبي والسياسي لجبهة الإنقاذ في مطلع التسعينات عبر الدفع بالصراع إلى الجبهة الأمنية، وتقريب أحزاب الإخوان من معسكرها، ثم توظيف تيارات أخرى كالسلفية العلمية والصوفية لإجهاض العقيدة الجهادية، وتوريط نفس الأحزاب في منظومة الحكم، حوّلت التيار بمكوناته المتعددة إلى أداة في يدها انتهت إلى ما اعترف به القيادي عبدالله جاب الله، حول نهاية الإسلام السياسي في الجزائر، مما يدحض أركان القول بإمكانية أخونة النظام الحاكم في الجزائر.

13