أوهام "الزعطوط" المفكر تدخل قطر في نفق مظلم

ينظر المراقبون إلى الأزمة الخليجية الراهنة باعتبارها تجسيدا مكثفا للآثار الجانبية المدمرة للمكابرة القطرية ولهروب الدوحة المتكرر من الوفاء بالتزامات طبيعية تقتضيها مصلحة قطر نفسها.
الاثنين 2018/04/02
هشاشة في التفكير، وضعف في التعاطي مع المستجدات

تعتبر قطر دولة صغيرة في منطقة الخليج العربي، حيث لا يمكن للمال وحده ولا للواجهات الإعلامية ذات العمر الافتراضي المحدود أن يؤديا إلى تغيير موازين القوى وأن يحولا قطر إلى دولة عظمى. ومن يراهن على هذا السيناريو ثم يصدقه لا شك أنه يعيش في الخيال.

وبناء على حجم قطر الطبيعي داخل الجغرافيا وداخل التركيبة الديموغرافية لسكان الخليج، ينظر المراقبون إلى الأزمة الخليجية الراهنة باعتبارها تجسيدا مكثفا للآثار الجانبية المدمرة للمكابرة القطرية ولهروب الدوحة المتكرر من الوفاء بالتزامات طبيعية تقتضيها مصلحة قطر نفسها، بالنظر إلى أنها لا تقع في قارة أخرى، بل تحتل هامشاً ضئيلاً من خارطة الخليج وتجاورها قوى أكبر من حيث المساحة وعدد السكان والمقدرة على الدفاع عن المصالح الحيوية للخليج بشكل عام.

وبالقياس إلى موازين القوى وطبيعة المخاطر المحتملة فإن استمرار التطاول القطري على الأمن القومي الخليجي لن يمر بسهولة، وخاصة الاعتراضات القطرية المتكررة لرحلات الطيران المدني، وغيرها من التجاوزات الصبيانية التي تراكمت في ملف الدوحة.

وفي الدراسات الاستراتيجية عادة ما تُمنح الأبعاد الجيوسياسية أولوية قصوى، لكن قطر تعتقد أن حجمها يتحدد بكثافة الأوهام التي تقوم بتسويقها عبر أدوات متفرقة. ومن ضمن أدوات التسويق المتواضعة ما يتطاير من تصريحات غير حصيفة لرئيس الوزراء القطري السابق حمد بن جاسم.

من الناحية البروتوكولية لم يعد للرجل أي دور رسمي، لكنه في الواقع لم يتقاعد بشكل نهائي، بل فضل بدلا من ذلك اجترار أوهام العظمة المتخيلة. فهو لا يزال يعتاش على ذكريات منصبه القديم كوزير للخارجية، وعلى رحلاته ولقاءاته مع شخصيات لم يكن يحلم يوما بالحديث إليها، لكن بروتوكولات المنصب الذي تولاه منحته بعض الفرص التي تسببت في انتفاخه كبالون فارغ، ولم يتمكن حتى الآن من أن يتمالك نفسه ويتعلم كيف يصمت في الوقت المناسب.

وبدلا من أن يستعير القليل من الحكمة والرشد ولو من باب الادعاء، قام مؤخرا بفضح نفسه وكشف عن هشاشة في التفكير، وضعف في التعاطي مع المستجدات يثير الشفقة. مع أن بإمكانه أن يفيد بلده بالصمت أكثر من الهذيان الذي يقوم به في أوقات فراغه الطويل، إلا أن النرجسية وأوهام الشعور بالفطنة والتميز تدفعانه إلى الثرثرة عبر حسابه على شبكة تويتر، فتحوّل إلى مجرد مغرد ثرثار.

اشتعل رأس الرجل شيبا وتقدم في السن لكنه لم يتطور ولم يمتلك القليل من الحكمة وبُعد النظر. فلا يزال حمد بن جاسم كما وصفه أحد حكماء الخليج ذات مرة، عندما رآه يتصنع في الحديث ويهرف بكلمات لا يعي معناها، وصفه حينها بـ“الزعطوط”. وفي اللهجة المحكية “الزعطوط” هو الشخص الكبير في السن الذي يستمر في التصرف باستهتار مثل الأطفال الصغار. وليس هناك على الساحة الخليجية اليوم من يقدم نفسه على هذا النحو أكثر من حمد بن جاسم. فما إن يتحدث أو يكتب سطرا حتى يظهر مدى سطحيته. فماذا قال “الزعطوط” المفكر في آخر تغريداته؟

نشر حمد بن جاسم بن جبر تغريدة بتاريخ 25 مارس الماضي، قال فيها حرفيا “طلب مني الكثير من الإخوة الرد على بعض المغردين المحسوبين على حكومات خليجية.. سبق أن ذكرت أني لن أرد من خلال تويتر، أنا هنا أطرح وجهة نظري من خلال تجربتي.. أكرر أنا هنا لا أُناقش، وإن أردت النقاش أو الحوار يكون مع رؤوس وقيادات وأدمغة تعودت من خلال مسيرتي أن أواجهها”.

بتلك النبرة المتعالية يروج حمد بن جاسم لمسيرته الآفلة. ويتنصل ضمنياً من تناول ما يدور من أحداث وتداعيات تتطلب الكياسة والإدراك الجيد للأخطار. لكنه يتحجج بأنه لن يتناقش إلا مع أنداد وصفهم بالأدمغة. والسؤال الذي يطرح نفسه هو كيف يمكن أن يتحاور هكذا “زعطوط” مع الأدمغة؟

في الواقع لا يزال هذا المسؤول القطري السابق يمثل أحد أضلاع ما أصبح يعرف في الخليج بتنظيم الحمدين، نسبة إليه ومعه أمير قطر السابق حمد بن خليفة. والرجلان يقفان وراء التعبئة القديمة والجديدة التي جعلت قطر تضع نفسها في حالة عداء مع جيرانها، وفي استعداد لاختراع قصص لزيادة الشرخ الخليجي، وفي النهاية وبدلا من التقارب مع المحيط الطبيعي تذهب الدوحة للارتماء في أحضان إيران “الشريفة” وتركيا الإخوان، مقابل أن تستمر في المكابرة والعناد، ومقابل أن تحصل على مواد غذائية من طهران وإسطنبول تعتبر تكاليف نقلها جواً أغلى بكثير من قيمتها الفعلية، ناهيك عن رداءة جودتها. كل ذلك حتى لا تضطر الدوحة إلى التخلي عن سيناريو دعم الإرهاب وتوفير الأدوات الإعلامية له ودعم جماعاته وتنظيماته الدموية بالأموال الطائلة.

ولم يتوقف سلوك قطر ضد جيرانها عند حدود العداء والتوجس النظري وخداع الرأي العام وتأليف القصص الخيالية ضد دول الخليج الأخرى، بل سعت الدوحة إلى الإضرار بأمن ثلاث دول خليجية، وحاولت التدخل في شؤونها واستقطاب بعض المطلوبين أمنيا وتمويلهم وتجنيس بعضهم. وعندما يتم تضييق الخناق عليها ترسلهم إلى فنادق في دول أخرى وتتكفل بدعمهم، إلى جانب دعم تنظيمات إرهابية في مناطق أخرى يتجاوز خطرها إقليم الخليج بكثير.

ورغم هذه الممارسات العدوانية المباشرة التي قامت بها الدوحة، إلا أنها في خطابها الإعلامي قررت ارتداء قناع المظلومية، وانتهاج أسلـوب التباكي والترويج لمفردات لا وجود لها في الواقع، مثل مفردة “الحصار”!

وبالعودة إلى تغريدة “الزعطوط” المفكر، نجدها محتشدة بالنرجسية وبألفاظ الشعور بالتميز والعظمة الزائفة أثناء إشارته إلى فترة توليه منصب وزير الخارجية في قطر. في حين كان عليه أن يدع تقييم مسيرته للزمن وللخبراء، بدلا من أن يمتدح نفسه بشكل بائس.

وكان حمد بن جاسم قد ظهر أثناء الأزمة الراهنة في حوار تلفزيوني قبل أشهر، تحدث فيه بلغة يحاول من خلالها أن يلفت انتباه الآخرين. ويبدو أنه كان سعيداً بظهوره التلفزيوني ورغب في إطلالة أخرى جديدة، لذلك أعلن في تغريدته أنه لن يرد على المغردين الذين وصفهم بالمحسوبين على حكومات خليجية عبر صفحته. وعندما نتأمل عبارات “الزعطوط” المفكر، نجده يراهن على الإيحاء النفسي وعلى التلويح بأن لديه ما يخفيه. وأول مظاهر الإيحاء النفسي إيعازه الضمني للمتلقي بأن المغردين المحسوبين على حكومات خليجية يستهدفونه.

ومن الطبيعي أن نسأل حمد بن جاسم، لماذا أصبحت الحكومات الخليجية والمغردون المحسوبون عليها ضدك؟ لا بدّ أن الجواب على هذا السؤال يختصر الكثير ويمكن أن يهيئ “زعاطيط” قطر للفهم والاستيعاب. فبالتأكيد لن تكون حكومات دول الإقليم والمغردون المحسوبون عليها ضدّك إلا إذا كنت تتحرك بمنطق وعقل عصابة تخريبية إرهابية. بينما يريد جيران قطر منها أن يكون خطابها وسياستها معبرة عن دولة، لا عن تنظيم يوجّه سياساته “زعطوط” مثل حمد بن جاسم.

 

8