أوهام الصياد ورعب الفريسة

الأحد 2015/02/01
أوضاع المرأة في عالمنا العربي لا زالت من سيئ إلى أسوأ

المقولات والعبارات الرنانة جميلة، لكنّ كلامًا لا يغير شيئًا من بؤس الواقع ويعجز عن تجميل قبحه وغسل قذارته يشبه الغناء في مدينة كل سكانها مصابون بالصمم. ما جدوى أحاديثنا اليومية على الورق عن الأدب النسوي ومشتقاته ما دمنا لا نرى ما يكفي من الاحترام والتقدير والدعم والتمكين للمرأة المثقفة ومسيرتها الصعبة على أرض واقع هو وحده القادر على صنع الأشياء وتغيير أشكالها.

***

أوضاع المرأة في عالمنا العربي، لا سيما في المناطق التي تسيطر عليها ثقافة الغاب القبلية، لا زالت من سيئ إلى أسوأ. الانحدار الاقتصادي والمُجتمعي الذي أدت إليه تلك «التحولات العاصفة»، ضاعف من سوء أحوال المرأة في أماكن كثيرة. وتقهقر الأحوال الإنسانية لا يمكنه أن يؤدي إلى تقدمٍ وانتعاش أدبي، بطبيعة الحال، مهما ترددت الجمل الجوفاء التي تتغنى بـ”التحولات الثقافية الجديدة في هذه الفترة الزمنية”.

***

شعارات وطروحات ما يُسمى بـ«الانتفاضات العربية» تستغل قضايا المرأة في بداياتها لتحقيق أهدافها الثورية والسياسية، وما أن تصل إلى مُبتغاها، باستغلال أصوات النساء وحضورهن في شوارع الثورات كأرقام، تنقلب فورًا على القضايا النسوية وتبدأ بتجاهلها، إن لم تحاول مكافحتها ووأدها. مع هذه الحقيقة المُفجعة أتساءل: لم يجدُر بكل كاتبة عربية التشاكل مع تلك الشعارات المُخادعة للمرأة وقضاياها؟

عالمنا العربي نعيش -بكل أسف- خارج الزمن، نتقهقر كل يومٍ عامًا كاملاً إلى الوراء

***

ليس هناك مثقف «لا يشعر» بأخطار صعود خطابات الإسلام السياسي، سواء كان ذكرًا أو أنثى، إلا إذا كان منعدم الإحساس والشعور أو ضعيف الإدراك. خطابات الإسلام السياسي تستهدف حياة الإنسان وحريته بأسانيد وصياغات تسرف في تطرّفها المريض، لتحقيق أهداف ومصالح عصابات فكرية تتنكر بأقنعة الدين لتحقيق مصالحها الشخصية وتغييب عقول الناس. وبما أن المرأة هي نصف المجتمع، سيكون، بالتالي، من السهل السيطرة على نصفه الآخر عندما يجري قمعها وتغييبها عن ساحة الحقوق الإنسانية.

***

لا جدوى من اجترار أسطوانة النقد المشروخة في هذا الإطار، لأنها لم تقدمشيئًا للمرأة طوال الأعوام التي سبقت انتفاضات الألفية الثالثة، ولم تقدم شيئًا خلال الأعوام التي تلتها. النقد الأدبي لا يُطعم حُريّة!

في عالمنا العربي نعيش -بكل أسف- خارج الزمن، نتقهقر كل يومٍ عامًا كاملاً إلى الوراء. في سياق هذا التخلف الشديد، لازال أكبر هموم المرأة هو التعبير عن آرائها الأدبية تجاه ما تراه ظلمًا واقعًا عليها، وتريد أن تفعل بحرية وصراحة دون أن تُسدّد نحوها سهام الهجوم والطعن في سمعتها الشخصية.

تخطيط ساي سرحان

***

المفروض أن يكون «الجسد» في النص هو «وسيلة» وليس «غاية» في حد ذاته. الجسد في الكتابة هو «رمز» لفكرة ضرورية لا يمكن تقديمها إلا بهذه الطريقة، ومن هذا المنطلق ليس من المعقول أن يكون هو «الشغل الشاغل» للكاتبة أو الكاتب، مادام قد تجاوز مرحلة المراهقة البيولوجية بسلام!

أعتقد أن الشعراء والشاعرات، والروائيين والروائيات، والنقاد والناقدات، الذين واللواتي، لا يكتبون ولا يكتبن عن قضية إلا قضية «جسد المرأة» في جلّ نصوصهم ومقالاتهم، ليسوا سوى مهووسين جنسيًا يحاولون إخفاء مرضهم تحت عباءة الثقافة ونظرياتها!

***

ما جدوى الكتابة إن لم تكُن صوتًا صريحًا رافضًا لبشاعات الواقع ومحاولة لتغييرها فعليًا بالسلاح الوحيد الذي يملكه الكاتب، وهو «الكلمات»؟ الحديث عن الأنوثة في الكتابة، دون السماح لتلك الكتابة بالتأثير على مجريات الواقع، ليس سوى إهدار للـوقت واستخفاف بكل مفاهيم الأنوثة. لا يمكن الوصول إلى شراكة فكرية حقيقية بين الرجل والمرأة دون نضج إنساني للفرد، بغض النظر عن جنسه، وهذا النضج لا ينمو ويتأصل إلا بنمو خبرات الحياة بين الطرفين، تحت مظلة مُعافاة من الحرية المسؤولة، وهي مسألة معقدة تتطلب تربية أجيال جديدة على النظر إلى الطرف الآخر كشريك، بعيدًا عن أوهام الصياد ورعب الفريسة.

روائية من السعودية

17