أوهام القداسة من البخاري إلى الشعراوي

الثلاثاء 2017/04/11

استغرقت معارك القداسة في الغرب بضعة قرون، في صراعات بين النقل والعقل، الباباوات بسطوة تاريخهم والمصلحون برهانهم على المستقبل. ثم قضت حكمة التطور بأن تتم “كلمة ربك”، بعد استنزاف الثروات والأرواح في حروب نسفت فكرة الوصاية، وتوجت العقل سيدا، وأزاحت المطلق عن ساحات النسبيّ. ولم يؤثر تحرير الدين من رجاله في المسيحية ولا نقص عدد المؤمنين بها، بعد أن صار “ما لقيصر لقيصر”.

ولنتخيل عودة هيباتيا الآن، كيف يعاملها القتلة وقد نالوا حظوظا من العقلانية؟ وماذا يقول قضاة جوردانو برونو؟ هل يرونه مهرطقا يستحق “الحرق”؟ ربما أجابت الكنيسة عن هذا السؤال بالاعتذار، وإقامة تمثال له في مسرح الحريق، ولو بعد ثلاثة قرون.

أما نحن فنُخلص للمرور بكل مراحل التاريخ، ونتلذذ بإعادة إنتاج أسوأ ثماره، ولا نستفيد من التجارب فنختصرها قفزا، في إصرار على زيادة دوائر القداسات.

لن يكون محمد عبدالله نصر “الشيخ ميزو” آخر ضحايا الإمام البخاري، ويسهل القول إن الحكم القضائي بسجنه يخلو من الحكمة، ولن يحقق الغرض منه وهو التطهر والتكفير عن خطأ.

وقد تجاوزت الحداثة مواجهة الأفكار باعتقال أصحابها، إلا أن يكون ما جرى للشيخ ميزو رسالة بأن من يسائل البخاري اليوم فغدا يحاسب غيره، وخصوصا لو كان حاكما لم “يؤت الحكمة” وإن ادّعاها، ولنا في مصر تراث طويل مع قضايا “العيب في ذات الحاكم”، أيا كانت تلك الذات ولقبها، من الذات الخديوية إلى الذات الملكية، ثم ذات رئيس الجمهورية، إلى أن استدرجت ثورة 25 يناير 2011 إلى ميادين النقاش كل أصحاب القداسات السابقة، أشخاصا وهيئات، من شخص الرئيس إلى المؤسسات الدينية والعسكرية والقضائية.

في مصر تُصنع معارك القداسة صنعا، وتستهلك فيها أطنان من الأحبار والأوراق وساعات البث التلفزيوني. ويشارك فيها، متطوعا أو مدفوعا، برلمانيون وصحافيون وقضاة ومحامون مهووسون بالشهرة، ويتم إطلاقها بدقة لإلهاء الناس عن التفكير في انتزاع حقوقهم الإنسانية.

باستثناء “الهولوكوست”، ولأسباب سياسية ذات طبيعة ابتزازية، لا شيء يحول دون إبداء المواطن الغربي لرأيه، أو يعوق الباحث في اجتهاده مهما تكن النتيجة التي ينتهي إليها بحثه. حسم الغرب قضايا متحفية تخص جواز أو حرمة تجسيد قديس أو نبي في فيلم أو مسرحية أو رواية. ولم يعد الطريق إلى انتقاد حاكم مفروشا بأي خوف على الحياة أو الرزق.

قبل انطلاق البوارج لاحتلال العراق عام 2003، وصف البريطانيون رئيس وزرائهم بأنه كلب لجورج بوش، وأصدر المطرب البريطاني جورج مايكل أغنيته “بلير كلب بوش الأليف”، ولم يهدد أو يمنع من السفر.

وفي سبتمبر 2016، قال رئيس الفلبين رودريجو دوتيرتي إن الرئيس الأميركي باراك أوباما “ابن عاهرة”. تصريح في مؤتمر صحافي قبل التوجه إلى لاوس لحضور قمة مجموعة دول جنوب شرق آسيا هدد فيه بتمريغ أوباما “في الوحل مثل خنزير”.

وبعد شهرين سيقول دوتيرتي إن الأميركيين “قردة أغبياء”. كل ما فعله أوباما أنه ألغى اجتماعا مع دوتيرتي، أما الشعب فلا يتنادى لنصرة رئيس وُجه إليه سباب، ولا يعنيه أن يخوض حرب داحس والغبراء مع شعب آخر، ولا ينشغل الأميركيون أو غيرهم ولو بتوصيف هذه النعرة بأنها أحد تجليات الذهنية القبلية ومجتمعات ما قبل “الدولة”.

ما كان للأميركيين أن يخرجوا إلى الميادين، ويوحدوا بث القنوات الفضائية، للتنديد بالفلبين ورئيسها، ويتفننوا في مديح أوباما والإشادة بحكمته، وهم لا يترددون في انتقاد الرئيس الذي أتت به أصواتهم.

لم يعتذر روبرت دي نيرو عن وصفه لدونالد ترامب وهو في طريقه إلى البيت الأبيض بأنه “غبي وكلب وأخرق” لا يؤتمن على مستقبل البلاد. كما انتقدته ميريل ستريب، فرد الرئيس على تصريحها بتغريدة قائلا إنها ممثلة “مبالغ في تقديرها”. وفي حفل الأوسكار الأخير فبراير 2017 تجددت السخرية من ترامب.

ولكن الأجواء المصرية أصابها مس كهربائي، أقرب إلى الطعن في الكرامة الوطنية، حين سخر إياد مدني بغلظة من عبدالفتاح السيسي في نهاية أكتوبر 2017. دعابة مفتعلة ثقيلة الظل للرئيس التونسي الباجي قائد السبسي دفع مدني ثمنها، وفقد منصب الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي. في هذه الحالة كان للقداسة شق عرفي لا قانوني.

كان الصحافي أحمد حلمي، جد الشاعر صلاح جاهين، أول مصري يسجن بتهمة العيب في ذات الحاكم، حين أعاد نشر مقالات عنوانها “مصر للمصريين”، في جريدة “القطر المصري” عام 1909، وجاء في أحدها أن السبب في “شقاء المصريين وتأخرهم وعدم تقدمهم هم عائلة محمد علي”، فاتهمت النيابة الجريدة بأنها “تجاوزت حدود الأدب”، وطعنت في “الحضرة الفخيمة الخديوية… تلميحا بأقوال بذيئة تأباها الآداب الإنسانية”، وفي 23 أبريل 1909 صدر الحكم بسجن أحمد حلمي عشرة شهور، وتعطيل الجريدة لمدة ستة شهور.

ولأن السجن وسيلة الحمقى لمجابهة الأفكار، فلم تمنع الأسوار أحمد حلمي أن يكتب مقالات أكثر حدة، ويذكر يونان لبيب رزق في كتابه “العيب في ذات أفندينا” أن “القطر المصري” صدرت يوم 26 نوفمبر بمانشيت عريض “فلتسقط حكومة الفرد”، فتقرر إغلاقها في 8 يناير 1910.

نص دستور 1923 على أن ذات الملك “مصونة لا تمس”، ومن هنا تم اصطياد عباس العقاد عضو مجلس النواب حين قال يوم 17 يونيو 1930، في جلسة تناولت تلميحا التهديد الملكي للدستور، إن “هذا المجلس مستعد أن يسحق أكبر رأس في البلد في سبيل صيانة الدستور وحمايته”. وفي المحاكمة اتهمته النيابة باقتراف “جريمة العيب في حق الذات الملكية الرفيع”، وإيذاء شعور الملك! وصدر حكم بحبسه تسعة أشهر.

ويبدو أن النيابة مصابة بمرض الإفراط في الشعور بالأذى من كل رأي مضاد للنفاق الديني والسياسي العام، فتطعن على براءة كاتب آذى بكلمتين في رواية شعور مواطن، ليصدر قاض آخر حكما بحبس الكاتب عامين بتهمة خدش الحياء. كما تحرك النيابة بلاغا من محام مريض بالشهرة، لأن ورثة متولي الشعراوي آذاهم اتهام مفيد فوزي للشيخ بتمهيد “الطريق أمام الفكر المتطرف”.

وفي هذه العتمة غير الخالية من الغرض تستجيب محكمة الأمور المستعجلة لتأذي محام مصري من تبعية جزيرتي تيران وصنافير لمصر، وتصدر يوم 6 أبريل 2017 حكما تقول إنه يبطل حكم المحكمة الإدارية “العليا” في 16 يناير 2017، والحكم الأخير نهائي لا يجوز الطعن عليه، وينص على مصرية الجزيرتين، ويبطل اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية.

تحدث هذه الكوميديا مع تواصل اعتقال مواطنين بمسمى الحبس الاحتياطي مفتوح الأمد، بالمخالفة لدستور أكد الحق في الكرامة، واتصال المتهم بذويه، وحق التظلم أمام القضاء، ونصوص أخرى رائعة في دستور يريدون تعديله قبل أن يجربوا تطبيقه.

روائي مصري

9