أوهام المثقف المستعار

السبت 2013/11/09

ظاهرة المثقف الاستعراضي المهووس بارتداء ثياب "الآخرين" والسطو على ما تحويه جيوبهم من قصاصات ورقية ودبابيس ومناديل مستهلكة، الملمّ بكل شيء، الراوي العليم الذي يعمد إلى تنظيف أظافره بهدوء على حدّ وصف جيمس جويس وهو يراقب العالم من فوق، بمنتهى الشفقة، رغم افتقاره أساسا إلى مصادر موثوقة يعوّل عليها أو زوايا نظر سليمة، صاحب القنابل الصوتية الفارغة رغم طرافتها، إلا أنها تشكل ظاهرة مقلقة في أتون مشهدنا الثقافي لا يمكن التغاضي عنها وعن خطورة ما يفرزه ممارسوها من رغوات سائلة على صدور من يضطرون لمجالسة مثل هذه "الرخويات" في هذا المحفل الأدبي أو الاجتماعي أو ذاك.

فهذا الكائن الزلالي الذي لا يميز بين كوعه وبوعه، كما يتندر البعض، غالبا ما يهرف بما لا يعرف، ولا يختلف بتاتا عن ذلك الديك المغرور المتنكر في ثياب طاووس ناقم على كل من يشعره بهزال جناحيه المستعارين، النافخ أوداجه والرذاذ يكاد يتطاير من فمه ذات اليمين وذات الشمال، صاحب العربة المتجولة الذي يروق له دوما سماع ما تصدره عجلاتها المتصدعة من ضجيج أخرق يكون غالبا وكما جرت العادة في الأزمنة الرديئة، يكون مصحوبا بأحكام "نقدية" سريعة صادرة من أشباه النقاد، وتصفيق فارغ معد له سلفا أو مديح أعمى بلا رصيد، أما نوع البضاعة المحمولة وقيمتها فهو آخر ما يفكر فيه أولئك "الآنيون".

المضحك المبكي في مثل هذه المواقف المسلية أنه ما إن يتمّ التطرق لأي موضوع له صلة بالعلم مثلا، أمام هذا المتثاقف الرخوي حتى تراه يخرج عن طوره مستخرجا جميع قواريره وأبحاثه وبراءات اختراعاته من جيوبه الخلفية كالحواة مطالبا إياك أن تؤمن بكل فرضياته وإلا فأنت ضد غاليلو وعباس بن فرناس وشربت "الحاج زبالة". أما إذا كان الموضوع له صلة بالدين فهو لن يتورع عن إظهار إبريقه ورش الحضور بعلمه الغزير وبخوره وعنعناته ومنقولاته أو لعناته، وسيسارع كعادته فور التطرق للأدب والشعراء إلى ارتداء عباءة أبي العلاء المعري أو عوينات طه حسين أو قبقاب "غوار الطوشي" إذا لزم الأمر.. وهو يرغي ويزبد ويتوعد ويأخذ بخناق هذا وذاك لمجرد أن يبرهن لنفسه وللآخرين عن وجوده ليس إلا..! حتى وإن كان هذا الوجود متنافرا، وخاليا من اللياقة والذوق والأدب، بحيث تضطر أمام هذه النماذج اللجوجة إلى عدم الدخول معها في نقاشات عقيمة غير متكافئة، إلا لغايات في نفس "يعقوب".. متدرعا بالصمت دائما حفاظا على راحة البال واتقاءً لضغائن "العباقرة" إياهم أو إثارة حفيظة من يسيرون في ركابهم..

إنها مجرد وخزة بريئة آمل أن لا تثير فرائص الدينصورات الهاجعة في متاحفها.. وهلعها.. ليس إلا.. و"شكرن"..!

16