أوهام ديمقراطية الإسلام السياسي في تونس

الجمعة 2017/12/01

ممارسة حركات الإسلام السياسي، مثل حركة النهضة الإسلامية التونسية، الحياة السياسية عبر الأحزاب قد تكون أمرا طبيعيا. ولا يمكن لأي كائن من يكون أن ينكر عليها ذلك الحق خاصة إذا التزمت بنمط تلك الدولة. لكن المشكلة تكمن أساسا في علاقتها بمبادئ الديمقراطية التي لم ولن تكون أبدا ضمن أسسها الفكرية والأيديولوجية القائمة عليها.

من السذاجة الاعتقاد بأن النهضة، كنموذج لجماعات الإسلام السياسي المنتشرة في العديد من الدول كحزب العدالة والتنمية التركي الذي تستمد منه روح نشاطها السياسي والدعوي، تفكر في مصلحة تونس بالأساس وأنها تسير بثبات نحو ترك مربع الإسلام السياسي لتستقر في مربع دمقرطة فكرها الإسلامي حتى تندمج أكثر في مجتمع شريحة واسعة منه تنتقد أسلوبها في العمل السياسي المتناقض.

هذا التناقض الفكري للحركة يبدو ملفتا للأنظار وله أبعاد مخيفة وعميقة قد لا تظهر الآن وحتى بعد سنوات قليلة، ولكن ربما تتجلى بوضوح مع الاستحقاقات الانتخابية في العامين القادمين وفي مقدمتها الانتخابات المحلية المقررة في مارس المقبل، التي تعد مفصلية وستحدد بشكل كبير ما ستؤول إليه الانتخابات التشريعية والرئاسية في عام 2019.

النهضة أعلنت بشكل مفاجئ في مؤتمرها العاشر الذي عقد في مايو العام الماضي أنها أقامت حدا فاصلا بين نشاطها الديني الدعوي وبين نشاطها كحزب سياسي بأيديولوجية إسلامية بتعلّة أنها تريد التأقلم مع التطورات المتسارعة في تونس، التي نجحت في أن تنأى بنفسها عن كل الصراعات الدامية التي عصفت بليبيا والعراق وسوريا، بعد انتهاء حقبة الترويكا السوداء وقدوم الباجي قائد السبسي رئيسا للبلاد.

لا يمكن تفكيك التمشي السياسي للنهضة دون التطرق لفكر مهندس الحركة، راشد الغنوشي، الذي تفسر قراراته المتغيّرة بتغير طبيعة علاقاته مع القوى السياسية في البلاد ضمن براغماتية أسّس لها نظرياته في الإسلام السياسي، على أنها مرتبكة وأن “الشيخ” يقود دفة حزبه تحت الضغط خوفا من أن يفقد مكانا لطالما كان يحلم به وحزبه.

ثمة أسباب جوهرية تدفع باتجاه البحث وراء معرفة كيف يفكر الإسلاميون ولماذا اختارت النهضة الانسلاخ عن توظيف فكرها الإسلامي في عملها السياسي مع التسليم بأن قيادات النهضة يعلمون بأن يافطة “الإسلام هو الحل لإدارة الدولة” هي مجرد شعار أجوف موجه للخارج ولا يـعني التونسيين في شيء. كما أنهم يدركون أنهم ليسوا دائما الخيار الأول للحكم ولا حـتى أنهم ورقة رابحة في أي انتخابات مقبلة.

التزام الإسلاميين بقواعد الديمقراطية، كما يقول أعضاء النهضة بمن فيهم رئيس الحركة، في كل مرة يطلون فيها على وسائل الإعلام، حديث لا معنى له، لأنه لم تكن هناك حاجة للإسلام السياسي أصلا، فدولة مثل تونس لطالما اتخذت الليبرالية أساسا للحكم لا يمكن أن تتزاوج مع أيديولوجية إسلامية باتت تنحسر مع تبدّد فوضى “الربيع العربي”.

تماهي النهضة مع المتغيرات المتسارعة في الساحة السياسية التونسية يفسّر على أنها تبحث عن هامش ضيق للعب على أوراق كثيرة، فقبولها مثلا بقانون المصالحة الإدارية، الذي يعتبره البعض يأتي ضمن نطاق العدالة الانتقالية، يكشف بوضوح أن الحركة مجبرة على الاحتفاظ بأوراقها في الانتخابات المحلية التي تراهن عليها كثيرا لتعبئة الرأي العام وإقناعه بأنها الأجدر.

ثم إن حديث قيادات في النهضة عن الحريات الفردية وأنه لا بد من تكريسها في المجتمع التونسي لبلوغ أعلى درجات الديمقراطية، مسألة تدعو إلى وضع علامات الاستفهام حول هذا التغيير الذي لم يكن أبدا ضمن أفكارها.

إن أيديولوجية الإسلام السياسي متناقضة تماما مع الديمقراطية التي تريد النهضة السير فيها، فلا يمكن أن يتعايش متطرف مع مجتمع يتخذ معظمه من العلمانية والتحرر والحداثة قيما له، كما أنها تتعارض في كل معانيها مع مبدأ المواطنة ولا سيما إذا ما تعلق الأمر بحرية المعتقد وحقوق المرأة وغيرها.

قد تكون سياسة التقية التي تتبعها النهضة مجرد أسلوب لربح الوقت باعتبارها طرفا في قيادة دفة الحكم مع حزب حركة نداء تونس، لكن هناك معطيات كثيرة تؤكد أن آخر ما يهمّها هو نجاح تونس في الخروج من مأزقها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتترسخ قناعة بأن قبولها بكل ما يأتي من القصر يصب أساسا في باب الخوف من خسارة السلطة.

وعليه، فإن دمقرطة الإسلام السياسي التي تسعى إليها النهضة لا تعدو أن تكون سوى أوهام تحاول الحركة أن تزرعها بين الشعب لكسب التأييد مجددا قبل الذهاب إلى صناديق الاقتراع، ويبدو أن قيادييها تناسوا أيضا أن حزبهم الإسلامي بات ورقة محروقة في “تونس المستقبل”.

كاتب وصحافي تونسي

7