أويحيى يدخل في عزلة سياسية تمهد الطريق لرحيله

الاستقرار على خيار الولاية الخامسة للرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة يؤجل طموح المتنافسين.
الأحد 2019/01/13
نكسة الانتخابات النصفية تضعف أويحيى

تعرض حزب التجمع الوطني الديمقراطي، بقيادة رئيس الوزراء أحمد أويحيى، إلى نكسة في سباق الانتخابات النصفية الأخيرة لمجلس الأمة الجزائري، وأمام نجاح حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم في الهيمنة على البرلمان، يسهم تراجع التجمع الوطني الديمقراطي الذي احتل المرتبة الثانية بدوره في تراجع طموح أويحيى السياسي لخلافة الرئيس المريض عبدالعزيز بوتفليقة، مع توقعات بالاستغناء عنه في رئاسة المجلس التنفيذي في ظل الصراع المستمر على السلطة، وكمحاولة لإزاحته من على الواجهة مع اقتراب السباق الرئاسي.

الجزائر - يلمّح تهاوي مؤشرات رئيس الوزراء ورئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي، بشكل لافت في بورصة المشهد السياسي الجزائري، إلى سقوط ورقة أحمد أويحيى كجناح فاعل في الاستحقاق الرئاسي القادم، بعد ميلان كفة تجديد الولاية الخامسة لبوتفليقة، وتراجع حظوظ حزب السلطة الثاني، في انتخابات التجديد النصفي لمجلس الأمة.

وتوترت العلاقة بشكل مفاجئ بين حزبي السلطة الجزائرية، (جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي) على خلفية انتخابات التجديد النصفي لمجلس الأمة (الغرفة الثانية للبرلمان)، ووصلت إلى حدّ تبادل الاتهامات حول ممارسات غير أخلاقية حامت حول الانتخابات المذكورة.

وجرت نهاية الشهر المنقضي، انتخابات التجديد النصفي (48 مقعدا)، حيث عادت الهيمنة إلى الحزب الحاكم، في حين جاءت حصيلة الحزب الثاني للسلطة هزيلة، الأمر الذي شكل صدمة لقيادة التجمع الوطني الديمقراطي، بعدما فقدت العديد من المقاعد النيابية في معاقلها التاريخية، الأمر الذي سيهدد أفضليتها في قيادة الغرفة البرلمانية، في ظل الحديث عن انسحاب عبدالقادر بن صالح، رئيس الغرفة الثانية للبرلمان لأسباب صحية.

وتحتل نتائج انتخابات التجديد النصفي لمجلس الأمة الجزائري أهمية خاصة هذه المرة، لارتباطها بشكل أو بآخر بالرئاسيات المقررة في ربيع 2019، خاصة وأن رئيس المجلس هو بنص الدستور الرجل الثاني في الدولة، ومن يتولى قيادتها (مؤقتا) في حال شغور منصب الرئيس.

وتهاوت مؤشرات أحمد أويحيى في المشهد السياسي المحلي بشكل لافت، خلال الأسابيع الأخيرة، فبعدما كان يمثل أحد خيارات السلطة لدخول الاستحقاق الرئاسي القادم، سواء كمرشح لخلافة بوتفليقة أو كنائب رئيس بموجب تعديل دستوري، للتكيف مع الوضع الجديد، صار الرجل إحدى ضحايا تزوير الانتخابات، وحزبه المستهدف الأول من عمل آلة تحديد النتائج النهائية، ومن غير المستبعد أن يسعى حزب جبهة التحرير إلى استعادة رئاسة المجلس، إذا ما تمكن من استمالة الثلث الرئاسي المعين (بعض أعضائه من جبهة التحرير)، وتغيرت موازين القوى داخل دواليب السلطة، التي ما زالت متمسكة بإحداث توازن بين الحزبين “الحاكمين”، لتفادي محاولة جبهة التحرير الاستقلال بقرارها بعيدا عن السلطة.

وانتقد حزب أحمد أويحيى بشدة ما أسماه بـ”الظروف المشحونة والممارسات غير الأخلاقية التي سادت عملية الانتخاب، والضغط الذي مارسه الحزب الغريم على المنتخبين المحليين بتواطؤ جهات إدارية”، وتوجه الحزب بشكاوى للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، “لإنصافه من تجاوزات الحزب الحاكم”.

وفيما عادت الأغلبية (32 مقعدا) لحزب جبهة التحرير الوطني، لم تتعد حصيلة التجمع الوطني الديمقراطي الـ13 مقعدا، وجرت الانتخابات النصفية التي يصوت فيها منتخبو المجالس المحلية (البلديات والولايات) في أجواء مشحونة تحولت إلى أحداث عنف في بعض المحافظات، كما هو الشأن في محافظة تلمسان في أقصى غرب البلاد، مما اضطر المجلس الدستوري إلى إعادة تنظيمها الخميس الماضي.

الحصيلة الهزيلة لحزب التجمع الوطني الديمقراطي في انتخابات التجديد النصفي، وسيطرة لوبيات المال السياسي على أجواء الاقتراع، تلمّحان إلى إمكانية رحيل أويحيى، من رئاسة الجهاز التنفيذي، ليكون بذلك أولى ضحايا المرحلة الجديدة التي تمهّد للانتخابات الرئاسية

ورغم التناغم الذي ميز علاقة الحزبين خلال مساعي الإطاحة برئيس البرلمان سعيد بوحجة، في شهر نوفمبر الماضي، وبروز تنسيق كبير بين قيادة الحزبين لفرض ما أسماه حينها أحمد أويحيى، سياسة الأمر الواقع، بعدما انتقد بخرق التشريع الدستوري، فإن الرجل دخل في عزلة سياسية في الآونة الأخيرة، لا سيما بعد منعه من طرف الرئاسة لعرض بيان السياسة العامة أمام البرلمان. وإن حاول الرجل نفي المسألة وتبريرها بـ”الأجندة الدبلوماسية”، فإن الحصيلة الهزيلة في انتخابات التجديد النصفي لمجلس الأمة، وسيطرة لوبيات المال السياسي على أجواء الاقتراع، تلمحان إلى إمكانية رحيل أويحيى، من رئاسة الجهاز التنفيذي، ليكون بذلك أول ضحايا المرحلة الجديدة التي تمهد للانتخابات الرئاسية القادمة.

وتبادل الحزبان تهم ممارسة الفساد السياسي والمالي وشراء الذمم، حيث تداولت دوائر مختلفة وناشطون على شبكات التواصل الاجتماعي، منشورات وتسجيلات لأساليب شراء الأصوات التي وصلت إلى سقف ما يعادل الألفي دولار، بينما كانت أخرى في شكل هدايا وإكراميات ثمينة تتراوح بين الألف والألفي دولار.

وقدر متابعون نفقات وتكاليف منصب النيابة في مجلس الأمة في الاستحقاقات الأخيرة، بما فيها التي جرت نهاية الشهر الجاري، بمئة ألف دولار في أحسن الحالات، وهو ما يفوق بكثير مداخيل الأجرة الشهرية والمنح التي يتلقاها النائب طيلة عهدته النيابية (ست سنوات)، ما يؤكد أن المسألة تتعلق بشراء حصانة لتحقيق أغراض وصفقات تدر عشرات أضعاف التكاليف.

وذكر مصدر مطلع لـ”العرب” أن “مرشح حزب جبهة التحرير الوطني في محافظة بوسط البلاد، (حاز على المنصب) هو رجل أعمال وإحدى أذرع رجل الأعمال النافذ في السلطة علي حداد”، ما يؤكد هيمنة لوبيات المال السياسي على استحقاق التجديد النصفي، وعلى تغلغل ما يعرف بـ”منتدى رجال الأعمال” داخل مؤسسات الدولة، الذي تحول مؤخرا إلى نقابة تدافع عن مصالح رجال الأعمال.

ومع اقتراب السلطة من الاستقرار على خيار الولاية الرئاسية الخامسة لبوتفليقة، سيخلط بذلك أوراق طموح أويحيى لاعتلاء قصر المرادية (القصر الرئاسي)، ويقلص حظوظه في أداء دور مهم في المرحلة المقبلة، في ظل المؤشرات التي تلمح إلى الاستغناء عنه قريبا. وتواترت بوادر رحيل الرجل مؤخرا بداية من منعه من عرض بيان السياسة العامة للحكومة أمام البرلمان، إلى نكسته في انتخابات التجديد النصفي، ومرورا بتمرد الطاقم الوزاري عليه، حيث يغيب الانسجام والتكامل منذ أشهر على أداء الوزراء، ولجوئه للتعبير عن مواقفه المتعلقة بالشأن العام بقبعة رئيس الحزب، رغم أنه يشغل منصب رئيس الوزراء منذ أغسطس 2017، وهو المسؤول الأول عن انشغالات الرأي العام.

2