أوّل مذيعة للتلفزيون الليبي: نشرة الأخبار شبه مقدسة في زماني

عايدة سالم الكبتي أول قارئة للأخبار بالراديو تستذكر التحديات المهنية اليومية مع انطلاقة الإذاعة والتلفزيون الليبيين.
السبت 2020/01/25
عايدة الكبتي تعود لذكريات تأسيس الإذاعة والتلفزيون الليبي

رافقت الإعلامية السابقة عايدة الكبتي الإذاعة والتلفزيون الليبيين منذ انطلاقتهما، وتستذكر التحديات المهنية اليومية التي واجهت هذه الانطلاقة مع قلة الكادر البشري وضعف الإمكانات التقنية.

طرابلس - تؤكد عايدة سالم الكبتي أول مذيعة في التلفزيون الليبي، أن “نشرة الأخبار في زماني شبه مقدسة، لا يمكن أن تتأخر ولو لثواني قليلة بل يجب أن تكون في موعدها بالضبط، ومن يخطئ في القراءة يتم إيقافه فوراً ولا يسمح له بذلك مرة أخرى إلا بعد أن يحسن من أدائه”.

وظهرت الكبتي على شاشة التلفزيون الليبي في الافتتاح الرسمي في مدينة طرابلس في 24 ديسمبر 1968، يوم الاستقلال. وقامت بمهام مذيعة الربط، ومذيعة نشرات الأخبار، وإعداد وتقديم العديد من البرامج. وهي من مواليد عام 1951، حاصلة على دبلوم إجازة التدريس الخاصة بشعبة “لغة عربية ودين”.

وبدأت الكبتي أولا في تقديم الأخبار بالإذاعة المسموعة حيث كانت أول قارئة للأخبار بالراديو. ثم انتقلت للعمل التلفزيوني كمذيعة ربط. وفي العام 1969، قدمت نشرة الأخبار بالتلفزيون.

وأوضحت، “كان من المفترض أن يكون للتلفزيون طاقم وكادر خاص به ولكن لقصر مدة الافتتاح وعدم توفر عناصر جيدة لتولي تلك المهام تمت الاستعانة بمذيعي الراديو وبذلك كنت أول مذيعة أخبار بالتلفزيون الليبي”.

جيل عايدة الكبتي شهد ظهور أصوات نسائية في مجتمع لا يقبل انخراط المرأة في عمل غير التعليم
جيل عايدة الكبتي شهد ظهور أصوات نسائية في مجتمع لا يقبل انخراط المرأة في عمل غير التعليم

وتقول إن هذا العمل كان صعبا حيث يتطلب الأمر مراجعة الأخبار أولا وتشكيل الحروف ووضع نهاية الجمل وأماكن الوقوف، ثم التوجه إلى قسم المافيولا لمشاهدة الأشرطة المصاحبة للنشرة. إضافة إلى معرفة تفاصيل الخبر ومتى أسترسل ومتى أتوقف والتصرف بسهولة عندما يوضع خبر مكان آخر.

وتضيف، “كل ذلك تطلب مني الدقة وهذا يمثل تحدّيا أمرُّ به يومياً. ثم بدأت المذيعة عفاف زهران من إذاعة الشرق الأوسط في مساعدتي على قراءة النشرة بالتبادل بيننا”.

وشهد جيل الكبتي ظهور العديد من الأصوات النسائية في الإعلام الليبي، في وقت لا يقبل فيه المجتمع الليبي انخراط المرأة في مجال عمل غير التعليم. ومن هذه الأصوات، زهرة الورفلي، فاطمة الناجح، نجية الطرابلسي، لطفية بن موسى وعائشة الديلاوي.

وتضيف الكبتي”لم تكن القوانين تمنع العمل بالإذاعتين. فقط المطلوب إجادة اللغة العربية، الصوت وطريقة الإلقاء. وتقدم الكثيرون والكثيرات للعمل ولم ينجحوا في ذلك. وهنا لا بد أن أذكر أسماء مهمة في العمل الإذاعي أمثال ثريا الفقي وحميدة البراني وكانتا أول مذيعتي أخبار في مدينة بنغازي إلا أنهما لم تستمرا طويلا. ذهبت ثريا الفقي للدراسة في الخارج وتزوجت حميدة البراني من الصحافي رشاد الهوني وتوقفت عن العمل”.

وتابعت “كنت أتحمل النصيب الأكبر من غياب بعض الزملاء”.

ويرجع إنشاء أول إذاعة في ليبيا إلى عام 1957، تاريخ إطلاق ثلاث محطات في كل من طرابلس وبنغازي والبيضاء. وفي نفس العام تأسست مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الليبية للإشراف على القطاع، وفي العام 1968،افتتحت أول قناة ليبية للتلفزيون. وقدمت الكبتي برنامج “عيد الوحدة والنصر” وهو أول برنامج سياسي تولت إعداده مع محمد الزوي ومشاركة التقديم مع ناصر عبدالسميع، ثم برنامج “خطاب العرش” مع محمد السفاقسي وناصر عبدالسميع، وكانت فكرته تتمحور حول برامج الوزارات المختلفة ونال شعبية كبيرة. إضافة إلى برامج المنوعات مثل “صباح الخير” و”طابت أوقاتكم” و”مع أطيب التحيات” و”أول حرف” و”شيء من كل شيء” و”مساء الخير” و”تصبحون على خير” وغيرها.

كما قدمت في التلفزيون برنامج “عالم الأطفال” الذي أدخلت عليه عدة فقرات منها استضافة الفنانين والسياسيين وفتح باب النقاش معهم، وفقرة الرياضة والموسيقى والخروج في رحلات خارجية للمصانع والمزارع والمعارض. وهذا البرنامج بحسب الكبتي قرّبها من عالم الأطفال الذي أحبته وحاولت تطويره باستمرار.

وكانت ساعات البث قصيرة يوميا، انطلاقا من بعد الظهر إلى منتصف الليل فقط. وتتضمن برامج ومسلسلات محلية وأغاني ليبية ومالوف وقطعا موسيقية إلى جانب الاستعانة بمسلسلات وأغان خارجية. ولم يكن يوجد سوى استوديو واحد فقط يتم التسجيل فيه صباحا حتى ساعات بدء البث بعد الظهر، ورغم هذه المدة المحدودة إلا أن البرامج كانت منتقاة بعناية. والأفلام الوثائقية تترجم ويقوم أحد المذيعين بقراءتها إما تسجيلا أو على الأثير مباشرة، واضطرت في بعض المرات إلى مشاهدة الشريط وقراءة الترجمة مباشرة على الهواء في وقت واحد.

وتتحدث الكبتي عن الأسباب التي دفعتها للعمل في سن صغيرة، وتقول “غياب الوالد المعيل هو ما دفعني للعمل في سن صغيرة، تقريبا كنت في الصف الثاني إعدادي وعندما تقدمت للعمل في الإذاعة المسموعة كان يتولى الإدارة مصطفى بن شعبان الذي كان زميلا لوالدي في سفارتنا بالقاهرة، كان يدعمني في عملي وأخي الأكبر. ووجود قامات إذاعية كبيرة وأسماء كبيرة فتح المجال أمامي للعمل، أذكر منهم كبير المذيعين آنذاك محمد السفاقسي. ولا أنسى الأستاذ محمد التركي الذي تدربت معه في برنامجه ‘برامجنا في ميزان النقد’. أيضا محمد المصراتي قدمت معه أول برامج البث الحي وقتها من كل العالم العربي ‘البيت العربي’ والذي كان يبث حلقاته أسبوعيا في نفس التوقيت ونفس اليوم كل أسبوع من بلد”.

وتقول الكبتي إن العمل التلفزيوني فرض عليها إداريا ولم تدخله طواعية أو رغبة منها. هي ابنة الراديو الذي أحبته. لذلك عملت حسب الجدول المفروض يوما هنا ويوما هناك. وكانت تعمل في كليهما بمرتب واحد فقط.

تركت الإذاعية عايدة الكبتي العمل في ديسمبر 1970، بعد خمس سنوات من العمل المتواصل بالإذاعتين. وتضيف “طلبت نقلي بدرجتي الوظيفية ولكنهم رفضوا ممّا اضطرني إلى تقديم استقالتي والبدء من جديد في مجال تخصصي وهو التعليم”.

ومن الأشياء التي ظلت عالقة بذاكرة الكبتي، أنها في عام 1972، قامت بافتتاح التلفزيون في مدينة سبها وكانت مستقيلة من العمل أثناء زيارة خاصة رفقة زوجها الذي كان مشرفا على الافتتاح، لكن إنقاذا للموقف بسبب انقطاع البث الذي كان من المفترض أن يتم عن طريق بنغازي أو طرابلس أو عن طريق البريد قامت بتقديم الافتتاح الرسمي.

وأضافت الكبتي “ولأنه لا مذيعين ولا مخرجين ولا محررين للأخبار في سبها، قمت بتجميع الصحف الموجودة بالمحطة والتي لا تصل يوميا أو يمكن اعتبارها قديمة وقرأتها كنشرة أخبار والمانشيتات عملت منها موجزا. والطريف في الأمر، عندما قررنا العودة إلى طرابلس تم إيقافنا في المطار اعتقادا أن التلفزيون سيقفل بعودتنا وبالكاد أقنعناهم أن البث مستمر ومغادرتنا لن تغير شيء”.

وترى الإعلامية الليبية أن المرأة في الستينات من القرن الماضي كان لها مكانتها واحترامها وتقديرها أكثر من الآن، وقالت “كانت هناك مدرسة واحدة إعدادية وأخرى ثانوية للبنات في مدينة طرابلس بأكملها. لم يضايقنا أحد ولم يكن هناك من يتحدث مع المرأة بأسلوب وقح بل كان من يعاكس فتاة يحكم عليه بالسجن ستة أشهر لذلك لم يكن أحد يتجرأ على معاكسة فتاة في الشارع”.

18