"أي.أم.آي" أصوات افتراضية خارج السيطرة

المخرج راستي نيكسون يصوّر قدرة الذكاء الاصطناعي على تطويع فتاة منعزلة لارتكاب سلسلة من الجرائم.
الاثنين 2019/10/21
صوت كارثي

واقع الذكاء الاصطناعي صار يتشعّب عميقا في العديد من مفاصل الحياة ويقرأ أفكار البشر واهتماماتهم وتفضيلاتهم ويتوقّع ما يحبونه وما يكرهونه، وفي كل ذلك تفعل الخوارزميات فعلها في ذلك العالم المخفي سواء خلف الشاشات أو خلف الأجهزة والمعدات المتطورة.

يحضر الذكاء الاصطناعي في العديد من أفلام الخيال العلمي، حيث يحاول جانب من ذلك التناول الاقتراب من الفضاء الفسيح الذي يمتد عليه ذلك الميدان العجيب وسريع التطور. وفي فيلم “أي.أم.آي” للمخرج راستي نيكسون سيقترب الذكاء الاصطناعي من الشخصية حتى يتحوّل إلى شريك لها في حياتها اليومية.

ليس ذلك مجرد لهو أو هامشا للاكتشاف، ولكن التكنولوجيا وشكل الحياة العصرية التي حاصرت الإنسان جعلاه يعيش في قوقعة معزولة فلا يجد بديلا إلاّ آلة صماء تتكلم معه وتصغي إليه. ذلك هو حال كاسي (الممثلة ديبس هاوارد) التي تختصر إشكالية العزلة والاغتراب والعجز عن قبول الحياة في شكلها المعتاد واليومي.

الأصدقاء محض سراب في نظرها بل إن جلّهم خائنون، صديقها يخونها وصديقتها تفعل الأمر ذاته مع صديقها وأبوها لاه مع فتاة شابة، فإلى أين يذهب الكائن المأزوم محملا بأثقال لا طاقة له بها؟

هذا السؤال هو اختصار للخط السردي الأساس في هذه الدراما الفيلمية، خط سردي مباشر ودون الكثير من التوريات والرموز بل هو اقتراب من شكل واقعي ويومي يدور حول شخصية كاسي الشابة الجميلة.

ومنذ المشهد الأول نشاهد امرأة وسط غابة وقد لمع بالقرب منها جهاز الهاتف النقال، وبرنامج فيه ينادي المرأة، لينتهي المشهد بمقتلها، ثم تعم الشاشة عتمة كاملة.

الفيلم يطرح من خلال توغل البطلة في الجريمة إشكالية العزلة والاغتراب والعجز عن قبول الحياة في شكلها المعتاد

ومن هناك ننتقل مباشرة إلى كاسي وقد فقدت أمها في حادث تصادم، مرّ المشهد سريعا خاطفا زمنيا، لكنه توغّل عميقا في داخلها مخلفا فراغا هائلا تم الاشتغال عليه نفسيا وعاطفيا إلى درجة تمرير إحساس بعدم جدوى الحياة من دون تلك الأم.

وخلال ذلك تكتشف كاسي من خلال حوار مع صديقتها برنامجا في الهاتف النقال يمكّنها من محاورة أمها، أو هكذا اعتقدت، وهو ما يبعث السعادة في نفسها، فتنطلق في الحوار مع صوت الأم، متوهمة أنها الأم نفسها.

وكتحصيل حاصل سيحضر الذكاء الاصطناعي والخوارزميات في اقتفاء أثر كل شخص ستسأل عنه كاسي وبذلك تجد ضالتها، فالإحساس العاطفي للأم متوفر وصوتها يداعب سمع كاسي صباح مساء، ومن ثم وهو الأهم والكارثي أن نصائح الأم سوف تقود إلى العديد من المصائب.

تنقاد كاسي، افتراضيا، لتلك الأم الافتراضية وتصغي لها إصغاء طفوليا وتطلب منها النصح والإرشاد لتبدأ رحلة الخراب بفصول متتابعة.

تهدم الأم حياة الابنة بالشك في علاقتها العاطفية مع ليام (الممثل سام مويك)، وقبل ذلك خيانة صديقتها سارا (الممثلة فيرونيكا هامبسون) لها، لتكون هذه الأخيرة أول الضحايا، حيث يتم تصوير عملية خنقها وتهشيم وجهها.

الاستلاب الافتراضي
الاستلاب الافتراضي 

وبعد الفتك بالأصدقاء تباعا سوف يأتي الدور الإشكالي للأب في هذه الدراما، فهو لاه مع صديقته بل يعترف في الوقت الحرج بتقصيره في مصاحبة ابنته والاقتراب منها والحنو عليها، لينتهي به المطاف ضحية جريمة مروعة ترتكبها الابنة بحق أبيها حرقا ودفنا، من دون رحمة.

الطابع الإجرامي الذي غلف هذه الدراما وميزها جعل المسألة متكرّرة، من خلال تعليقات الأم أو توجيهها لكاسي قبل وأثناء وبعد ارتكاب الجرائم تباعا.

ولا شك أن ميزة الفيلم بصفة عامة علاوة على انطلاقه من فكرة الذكاء الاصطناعي، هي كونه فيلم جريمة تتشعّب أسبابها ودوافعها في ما ذكرناه من عوامل نفسية من إحباط واكتئاب، وأخرى اجتماعية منها مظاهر العزلة ودوافع التملك والأنانية وصولا إلى التماهي الكامل مع وهم الذكاء الاصطناعي وقد أصبح بديلا للإنسان.

هنا يلخص الحوار الافتراضي بين الابنة وصوت أمها وإجاباتها عن كل شخصية تسأل عنها الفتاة بمساعدة الخوارزميات ومكائن البحث، حالة الجفاف النفسي والوجداني الذي اختصر الكائنات في هذا الفيلم إلى مجموعة صور ومعلومات رقمية مشفرة تقبع كلها في ملفات الذكاء الاصطناعي.

وفي ما يخص الجريمة تمكّن المخرج من أن يمضي في هذا النسق بكل ما يحمله من حبكات ثانوية وصراع فطري من أجل البقاء، خاصة في ما يتعلق بالطريقة التي تنتقم بها كاسي من صديقها ليام ومحاولاته اليائسة الهرب من الموت المحقّق، لكنه يقع في الأخير ضحية كاسي الهائجة التي تصطاد ضحاياها تباعا.

وبالتالي نجح المخرج راستي نيكسون في تقديم نسق تعبيري يتناسب مع ذائقة واهتمامات جيل يشكل الذكاء الاصطناعي جزءا حيويا من حياته، إذ أن برمجيات الهواتف النقالة الحديثة والمستحدثات الرقمية بما توفره من متعة ولهو، توفر أحيانا أكثر ممّا يحتاجه مستعملها إلى الدرجة التي تجعله معزولا عن العالم مكتفيا بها وغارقا فيها.

في المقابل، قدمت كاسي شخصية احتجاجية لذلك النوع من الاستلاب الافتراضي أو بمعنى آخر شخصية متمردة، بدليل أنها لم تتقبل فكرة التعايش مع الخيانة بين الأصدقاء، لكنها أسرفت في إصلاح الأزمة لتدخل في مأزق الجريمة الذي لم تستطع الخروج منه قط، وبقيت أسيرته حتى النهاية.

16