أيام الخوف

كيف يمكننا مواجهة الخوف الذي يولده موقف حقيقي يمكنه أن يتناسل أحداثا أكثر سوءا مما قد نعتقد؟ وهل سيحمينا هذا الخوف أو سيقف حاجزا بيننا وبين وقوع الكارثة، سواء أكانت كارثة طبيعية.
السبت 2018/03/03
الخوف شبح من الماضي

في لحظة ما، يمكننا أن نسحق الخوف، نمزقه مثل ورقة خريف يابسة، فيصبح مجرد شبح من الماضي لا تستفز ذكراه سوى تقطيبة جبين عابرة وابتسامة مرة.

هذا، بعد أن نكون قد وصلنا إلى الضفة الأخرى من بر الأمان وبعد أن تكون يومياتنا عادت إلى سيرتها الأولى، واستهلت أقدامنا أولى خطواتها في درب جديد تحت حماية شمس نهار جديد.

في هذه اللحظة، حيث الحاضر وحيث تكون كل سيناريوهات القلق واحتمالات الألم قد توارت بعيدا، سيخفت ضجيج ضربات القلب تدريجيا ويتوقف مدّ كوابيس الليل والنهار، وتتخلص الروح من قبضة القلق والهلع اللذين كانا يأكلانها ليل نهار؛ مع كل رنين لمكالمة هاتفية عند منتصف الليل وكل طرقة على باب المنزل، صوت شجار لغرباء في الشارع أو نظرات شك في عيون صديق، رسالة تحذير، حدس قلب لا ينام وأخبار محايدة لغائب.

هناك خوف من نوع آخر لا يمكن التخلص من قبضته، خوف يتنازعه ماض وحاضر، خوف لم يتحقق بعد، وهو الذي وصفه مارك توين بدقة، فكان يقول “لقد كان لدي الكثير من المخاوف في حياتي، ومعظمها لم يحدث أبدا”.

هذا النوع من الخوف بالذات هو الذي يقيدنا، أحيانا تقع أحداث صغيرة هامشية لكنها تولد خوفا كبيرا وأحيانا أخرى تتناسل الأحداث السيئة ما يشبهها أو يكملها، الأمر الذي يثري عوالم مخيلتنا ويجعلنا في حالة هلع مستمرة ومتحفزة لاستقبال ما هو أسوأ، لكن، كيف يمكننا مواجهة الخوف الذي يولده موقف حقيقي يمكنه أن يتناسل أحداثا أكثر سوءا مما قد نعتقد؟ وهل سيحمينا هذا الخوف أو سيقف حاجزا بيننا وبين وقوع الكارثة، سواء أكانت كارثة طبيعية، حربا أو مرض شخص عزيز، خسارة كبيرة أو حياة مهددة؟

قبل وقت قريب، مررت بتجربة مماثلة واجهت فيها خسارة كبيرة، وكنت أخشى من احتمال تكرار ما حدث حتى تملكني الخوف أياما طويلة كنت أحسبها سنوات؛ أوقات من الترقب، القلق والهلع عند سماع أي صوت غير معتاد، وكان جسدي يستجيب بتطرف لعوارض النفس؛ تسارع ضربات القلب بصورة لم يسبق لي أن خبرت شدتها وتكرارها، صداع وتشوش في النظر، حمى، تصلب في الأطراف وعدم القدرة على الحركة لدقائق ثم حالات اختناق متكررة.

بدت لي الأيام الأولى مثل كابوس طويل لا ينتهي، أنام وأصحو على خوف وترقب وكان يخيّل إلي في لحظات معينة بأن الخطر قريب جدا وأن الخسارة يمكن أن تتكرر، بل قد تكون خسارة أكبر وألما أفظع.

الآن، ربما، مضى كل شيء، تلاشى وكأنه خيال حلم أو رؤيا، أما الخوف فتحول إلى توجس وأحيانا شك وقلق يراوغني في لحظات معينة من دون سبب.

الخوف الذي أسرني لأيام، لم يقف حاجزا بيني وبين ما حدث أو ما سيحدث لو قدر لي أن أواجهه مرة أخرى، الخوف لم يحمني من الخسارة. كل ما تفضل عنه مجرد أعراض جسدية ونفسية مازالت تراودني، تراوغ، تختفي وتظهر كيفما يحلو لها. لم أعد كما كنت في السابق وقد غيّرني الخوف، صار العالم ضيقا على رحابته لو لا فسحة الكتابة.

كان لدي الكثير من المخاوف في حياتي، معظمها حدث ومازال يحدث!

21