أيام الفيلم القوقازي في عمّان.. بساطة اللغة السينمائية

فيلم "أم مخيفة" يفتتح أيام الفيلم القوقازي، سيناريو وإخراج آنا أوروشادزيه، باللغة الجورجية مع ترجمة إلى الإنكليزية، تمثيل ناتو مورفانيدزي، ديميتري تاتيشفيلي، راماز أيوزلياني.
السبت 2019/08/17
فيلم "ناميه": الماء لن يعود ما لم تتم التضحية

تستمد سينما البلدان القوقازية موضيعها من الحراك الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والإرث الثقافي، وتعرض تفاصيل معاناة وتطلعات إنسانية فردية وجماعية، وتعاين حالات من الشقاء التي لا تعدم الأمل، تقف وراءها مواهب مثابرة ومخلصة لموروث أسلافها السينمائي الخصب، والذي تعود بدايته إلى أوائل القرن الماضي، وتلاحظ ما يدور في الواقع بعيون يقظة، وتلتقط ما يمكن أن يصاغ بأساليب جمالية ودرامية تجمع بين البساطة المعبرة تعبيرا بليغا والبراعة في استخدام مفردات اللغة السينمائية.

عمان- ضمن برنامجها السينمائي، الذي يتضمن عروضا لأفلام من ثقافات مختلفة في العالم، نظمت الهيئة الملكية الأردنية للأفلام مؤخرا أيام الفيلم القوقازي، شاركت فيها مجموعة أفلام روائية ووثائقية طويلة وقصيرة سبق أن فاز أغلبها بجوائز عديدة في مهرجانات سينمائية دولية.

أحلام على المحك

أفتُتحت الأيام بالفيلم الروائي الطويل “أم مخيفة” (إنتاج 2017)، سيناريو وإخراج آنا أوروشادزيه، باللغة الجورجية مع ترجمة إلى الإنكليزية، تمثيل ناتو مورفانيدزي، ديميتري تاتيشفيلي، راماز أيوزلياني وأفتانديل ماخارادزي.

وتدور أحداثه حول “مانانا”، ربة المنزل الخمسينية، التي تكافح في مواجهة مأزقها الخاص، حيث يتعيّن عليها الاختيار بين حياتها العائلية وبين شغفها المتّقد حديثا للكتابة بعد أن كانت قمعته سنوات طويلة، فتقرّر أخيرا أن تتّبع شغفها وتُفني نفسها في الكتابة جسديا وذهنيا.

والفيلم ذو جرعة واقعية عالية، تذكرنا بالواقعية الإيطالية، وقد حصد العديد من الجوائز منها جائزة لجنة التحكيم الكبرى، وأفضل أداء لممثلة في جوائز شاشة آسيا والمحيط الهادي، وجائزة أفضل فيلم وأفضل ممثلة في مهرجان بكين السينمائي الدولي، وجائزة النجمة الذهبية في مهرجان الجونة السينمائي.

ويتناول الفيلم الوثائقي “كان لديّ حلم” (إنتاج 2018) لمخرجيه بورسو إيسنيك وكانتيكين كانتيز، باللغات التركية والويبخية والفرنسية والنرويجية والإنكليزية، مع ترجمة إلى الإنكليزية، قصة امرأة تحضن طفلها وترغب في تسميته بلغتها الأم، لكن لا أحد يتذكّر تلك اللغة؛ ففي عام 1992 فقدت قبيلة الويبخ، التي جرى ترحيلها قسريا إلى تركيا عام 1864، لغتها الأم مع وفاة توفيق إيسينك، آخر ناطق بها.

أفلام

ويحدث بعد أعوام أن تنطلق حفيدته في رحلة على خطاه، سعيا وراء ثقافة بيئتها، التي تشمل موضوعات وحكايات عن الإبادة والفقدان واللغة والجذور والهوية. وتأخذ الرحلة المشاهد إلى فرنسا والنرويج والقوقاز، حيث تنبت هناك جذورها، لتهمس لها بالكثير من الأسرار. إنه فيلم عن النسيان والاندماج، وعن مجتمع فقد لغته الأم.

ويستلهم الفيلم الروائي “ناميه” (إنتاج 2017)، لزازا خالافاشي، الناطق باللغة الجورجية مع ترجمة إلى الإنكليزية، موروث أسرة “علي” التي تضطلع بمهمة رعاية مياه الشفاء المحلية، ومعالجة القرويين المرضى قبل أن تداهمهم تحوّلات جديدة تعصف بهذا الإرث، وتهدّد تقاليدهم وطقوسهم. وبالتوازي مع ذلك تُنشأ محطة محلية لتوليد الطاقة عبر الماء، وتصبح التغيرات البيئية في خطر.

ويوما ما تختفي مياه الينابيع، ويتذكر الأب علي التقليد القديم: الماء لن يعود ما لم تتم التضحية. وتراود الشكوك أبناء الأسرة الثلاث، بينما تبقى الابنة الصغيرة ناميه حارسا للتقاليد العائلية.

شارك الفيلم -الذي يؤدي أدواره ماريسكا دياساميدز، وأليكو أباشيدز، وإدنار بولكفادز، ورومان بولكفادز- في العديد من المهرجانات السينمائية مثل مهرجان طوكيو السينمائي الدولي، ومهرجان إسطنبول السينمائي الدولي وأيام قرطاج السينمائية.

بحث عن الهوية

يحكي الفيلم الروائي “أنهار عميقة” (إنتاج 2018)، سيناريو وإخراج فلاديمير بيتوكوف، والناطق باللغتين القبردية والروسية مع ترجمة إلى الإنكليزية، عودة الابن الأصغر لأسرة حطّابين إلى الوطن لمساعدة والده وشقيقيه من أجل استكمال طلبية مربحة لبيع الخشب.

لكنه يكتشف أن لا شيء تغيّر منذ رحيله؛ العمل الشاق للحصول على رغيف الخبز، والمواجهة مع سكان القرية المجاورة، وعدم قدرة أفراد الأسرة على إظهار حبهم وتفهمهم لأقرب الناس، والنهر المجاور جاهز للتدفق واكتساح منزل العائلة الكائن على ضفته في أية لحظة.

أم تكافح في مواجهة مأزقها الخاص
أم تكافح في مواجهة مأزقها الخاص

ونال الفيلم الذي تمثل شخصياتَه مجموعةٌ من الممثلين -منهم رستم مرادوف ومحمد صبيب وطاهر تيب- جائزة أفضل فيلم أول في مهرجان الفيلم الروسي المفتوح، كما عُرض في مهرجان كارلو فيفاري الدولي للأفلام وأسبوع السينما الروسية في لندن. وعُرضت في ختام أيام الفيلم القوقازي ثلاثة أفلام روائية قصيرة هي “النداء” لمعتز جانخوت، و”اسمي مخاز” لإينار نارمانيا و”الوطن” لرسلان ماغومادوف.

ويغوص الفيلم الأول في ذاكرة رجل مسن يرمز إلى جيل شعب الويبخ القديم من الشركس، ويعود بالمشاهد إلى طفولته ونشأته وما عاناه شعبه من تطهير وتهجير قسري في القرن التاسع عشر. والفيلم أشبه برسالة إلى الأجيال الجديدة لاستكمال مسيرة الأجداد والحفاظ على التراث الشركسي من عادات وتقاليد ولغة وثقافة وهوية.

ويتناول فيلم “اسمي مخاز” الناطق باللغة الأبخازية مع ترجمة إلى الإنكليزية، موضوعا عاطفيا على خلفية حكاية قدوم شاب اسمه “مخاز” إلى مدينة سوخومي، وبفضل مهاراته في الرسم يدخل مدرسة الفنون بسهولة، لكنه لا يتمكّن من حضور حفل التخرّج بسبب وقوعه في الحب. ويجسد الفيلم المشقة التي يمر بها مخاز بعد لقائه حبيبته.

ويعكس فيلم “الوطن” الناطق بالروسية والشيشانية مع ترجمة إلى الإنكليزية، والمأخوذ عن قصة حقيقية حدثت إبان الحرب الشيشانية، الرغبة القوية في النجاة من خلال محاولات رجل عجوز البقاء على قيد الحياة في منزله الغارق في الحرب والمواظبة على ممارسة حياته وسط أعمال العنف في غروزني بالشيشان.

13