أيام المدرسة الجميلة

الاثنين 2015/05/25

كنت أدندن بأغان للجميلة ماجدة الرومي والرائع صلاح جاهين، وأنا أتذكر آخر أيام المدرسة والفستان الجديد الذي نخصصه لحضور آخر أيام الامتحانات وفسحة آخر يوم وحفلة نهاية العام، كل هذا مر على خاطري مدغدغا مشاعري وراسما ابتسامة عريضة على وجهي ـ الذي جعلته نشرات الأخبار عبوسا ـ وأنا أنتظر ابني في آخر أيام الامتحانات، طل علي بوجهه الضاحك وصوته الفرح يتمتم بالشهادتين يتبعهما حمد لله على نهاية العام.

وليس هذا هو حال طفلي فقط بل حال جميع طلاب المدرسة، جميعهم فرحون بتوديع الدراسة والكتب والمذاكرة والمدرسين والعقاب، وتساءلت هل هذا ما فعلناه بفلذات أكبادنا وحلم أعمارنا، حولناهم لكائنات حزينة، كئيبة، تكره أماكن العلم وتعتبرها مصدرا للعقاب وحسب.

كم تذكرت شرفة أو شباك الفصل وخيالي المحلق بعيدا في فضاء أرحب وأحلامي بألوان الطيف، كنت وزملائي نسعد بالذهاب للمدرسة، لأننا نتقابل ونمارس كل الهوايات، نلعب، نرقص، نغني، ونعزف الموسيقى.

ومعلم اللغة الفرنسية الحنون الذي كان أقسى عقاب يتخذه ضدنا بأن يأخذ القلم ويلقيه من شباك الفصل، لأنه ضبط إحدانا تمسك بالقلم أو تتجول عيناها خارج شرفة الفصل، لتتعلق بمشهد خاطف خارجه.

ويا لهذا العقاب الحنون الدافئ، فلم يحتمل قلب معلمنا الرقيق حتى هذا العقاب البسيط، بل هداه عقله لوضع القلم على حافة الشرفة العريضة وإيهامنا بقذفه بعيدا ثم يعيده لنا آخر اليوم.

ومعلمة التربية الموسيقية تختار لنا الألحان، تكتب بالقلم الرصاص على أصابع البيانو حروف السلم الموسيقي، تستمع لأوجاعنا وتمسح عنا دموعا تحجرت ونحن نروي قصة الحب الأول الذي تخيلناه منتهى الطريق.

لم تكن مدارسنا بقسوة هذه الأيام ولم يكن معلمونا سوى آباء وأمهات، أما اليوم فأصبح بعض المعلمين، وأقول بعض لأن الأكثرية مازالت تتمسك بالتربية قبل التعليم، بعض المعلمين يسيئون معاملة الطلاب، فمن إيذاء بدني جسدي، إلى إيذاء نفسي وإفساد لأرواح الطفولة وبراءتها إلى أصعب من ذلك وأكثر قسوة، فماذا نطلق على هذا المعلم والمربي الفاضل حين تطالعنا أخبار الصحف بمانشيت “شهيد العنف المدرسي”.

لن أبرئ ساحة طلاب فقدوا احترام المعلم ومن قبله احترام آبائهم، ولكن العنف سلسلة متتابعة المراحل، فحين يتخلى الآباء عن مسؤولياتهم تاركين الأمر لغيرهم متذرعين بقسوة متطلبات الحياة وإنشغالهم الدائم بالعمل، حين يصرخ الأطفال ولا يجدون من يسمعهم أو يمسح دموعهم. تبدأ بذرة العنف، وحين لا يجد المعلم بقية من احترام وتبجيل فقد يقتنص هذا الحق بالعنف والعصا، نحن بحاجة حقيقية للحب.

كيف تحول المعلم الذي كان أبا حنونا يربي طلابه على الحب والمودة إلى شخص لا يسعى إلا للدروس الخصوصية، وجلاد أو قابض أرواح.

متى يعود أبناؤنا للدندنة من جديد وقلوبهم الغضة معلقة بشرفات الفصول، مرددين “يا مدرستنا يا حبيبتنا فتناك (تركناك) بخير يا وش (وجه) الخير”.

21