أيام تلبط فوق الشاشة

السبت 2014/09/20

سأذهب الليلة الحسراء مذهبَ كتابةٍ لا تدويخَ فيها ولا كبير جدلٍ حولها ولا انولادَ مَنطحةٍ على أسوارها، بل هي من ينابيع الحنين الذي يستجلبُ الشجن حتى لو كان غاطساً في بحر الظلمات. أيام حنينة مُشجنة تسيح فوقها مرارة مستلةً من طعم فنجان المقهى البرازيلية المعروفة.

على طول وعرض السبعينات الجميلة ومفتتح الثمانينات ومدافعها الطنّانة من جهة الشرق، كنت مزروعاً بباب سينما بابل بشارع السعدون من أعمال أُمّ البلاد بغداد الحلوة. عرَبانة مكسّرات وبزر وفق معجم الشوام والفراعنة، وحَبْ على تسمية أهل العراق. العربة تحمل فوق مستطيلها الخشبيّ المشغول في ورشة جلال السمين، ما اشتهر من تسالي ومفضّلات زبائن السينما الفرادى والعائلات الأنيقة بالزلوف والجارلس والميني جوب والخنافس والروغان.

ثلاثية العربة الجوهرية كانت هي “حَبْ سكائر علك” ومن أصناف الكرزات كان الحَب الأحمر والأسود والأبيض والفستق بأصنافه المالحة والحامضة والسادة والعبيد والبندق ونبات آخر رأسه منبتة شوك اسمه السسّي الذي لا صلة له بالزعيم عبدالفتاح، والحمّص القويّ والهشّ وحبة خضرة والبطم المملّح الذي أصله حبّة خضرة منزوعٌ جلدها ومنقوعة بماء مالح، ومن حسن الحظّ هو أنني لم أكن في حاجة إلى العياط على بضاعتي بصوتٍ يكاد يموت من قوة الحياء، لأنّ العربانة خاصّتنا كانت مشتولة على مبعدة خمسة أشبار من حلق بيع التذاكر وجامخانة الصور الفوتوغرافية التي تُري الناس لقطات منتقاة بعنايةٍ من بدن الفيلم المعروض.

بودّي الليلة أن أحكي لكم عن مدير السينما المؤتمن عليها حجّي محمد أبو ثائر. رجلٌ أشيب طويلٌ أريحيٌّ منيرٌ وجههُ، تتكسّر مهنتهُ أحايين كثيرة، فهو بائع البطاقات ومرقّمها بالقلم الجاف في حال غيابٍ مباغتٍ لأبي سعد أو بهجت أو أبي عماد، وهو الرقيب الذي يشاهد الشريط السينمائي قبل عرضهِ، لتنظيفهِ من جملة سياسية حادّة، أو من فخذٍ معلنٍ لسهير رمزي أو ميرفت أمين أو نبيلة عبيد أو ناهد شريف أو نادية لطفي، إذ غالباً ما يؤدي إشهار هذه الأفخاذ والنهود الفائرة والقبل الحارقة، إلى زفّة صفير شعبية مبتذلة، فيقوم أبو ثائر الذي لا رادَّ لقولهِ، بقصّ المقطع وإبقاء الإيحاء، ليدفع تالياً مشغّل ماكنة العرض وارتكيس الطويل ثمن هذا القطع القاسي مدافاً بمفردة أعور.

كان فيلم معبودة الجماهير من بطولة عبدالحليم حافظ وشادية أطول من الشرائط المعتادة، يومها طلب مالك السينما القويّ مثل العرّاب كورليوني، عبدالرزاق أبو عارف من المدير الذكي، قطع عشرة دقائق من الفيلم مشروطية أن لا يؤثر الأمر على بنية النصّ وبلبلة المشاهد، ففعل الحاج بمقصّه وكانت أشهر المشاهد المقصوصة هو مشهد عزومة الجمعة للمساعي الحميدة، ببيت حليم وحضور زينات صدقي والقصّاب الضحّاك محمد رضا. أكتفي الآن بهذا القنص من أيام راحت ولن تعود.

24