أيام حكومة ماي المعدودة

مرة أخرى يفاجئ البريطانيون العالم، فبعد نتيجة استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي التي جاءت لصالح البريكست ودشنت موجة صعود الشعبوية والأحزاب اليمينية، عاد البريطانيون وأعلنوا رفضهم لبيئة اليمين التي خلقها استفتاء الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، وعوض أن يمنحوا رئيسة الوزراء تيريزا ماي الأغلبية البرلمانية التي تحتاجها في مفاوضات الخروج قلصوا عدد المقاعد التي كان يملكها حزب المحافظين في البرلمان. نتائج الانتخابات التشريعية وضعت ماي في مأزق لكنها عبرت عن واضع متشظّ وانقسام غير مسبوق تعيشه بريطانيا، مثلما كشفت عن حجم الهوة بين شباب السوشيال ميديا وجيل الصحف التقليدية.
الأحد 2017/06/11

ما حدث في بريطانيا يوم الخميس هو ثورة. الثورة هي تغيير الواقع الذي يعيشه الناس أو البدء في تغييره. الانتخابات التشريعية البريطانية حركت واقع البلد من أقصى اليمين إلى اليسار. بيئة اليمين التي خلقها استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بدأت في الانهيار، في مواجهة طابع يساري جديد ظهر بصعود زعيم حزب العمال جيرمي كوربين.

هذه الانتخابات وضعت حدا لإرث الخروج الصعب من الاتحاد الأوروبي الذي جعلته رئيسة الوزراء تيريزا ماي جوهر تصورها للمفاوضات مع قادة الاتحاد. اليوم لم يعد أمام البريطانيين سوى التوصل إلى اتفاق جيد يحكمه توافق بين الجانبين، أو إعادة التفكير في مسألة الخروج برمّتها.

نتائج الانتخابات ستخلق نهجا جديدا بين السياسيين المؤيدين لأوروبا. نموذج “النرويج” الجامع بين عضوية السوق المشتركة دون الوقوع تحت السيادة الأوروبية بات أقرب إلى التحقق أكثر من أيّ وقت مضى.

سلفي مع كوربين "الشاب"

الحقيقة الوحيدة اليوم هي أن بريطانيا تعيش انقساما غير مسبوق. هو انقسام بين المؤيدين لأوروبا والمناصرين للخروج منها، وبين اليمين واليسار، وبين كبار السن والشباب، وبين الطبقة الوسطى والعمال.

لم تع ماي أبعاد الفوضى المحيطة بها، وطلبت “تفويضا واضحا”. في النهاية كل ما حصلت عليه هو “رفض واضح”. خسر المحافظون الأغلبية وتراجع رصيدهم من المقاعد، ومن الثقة أيضا. في المقابل رفع العمّال من نفوذهم في البرلمان ومن حصتهم من القبول في الشارع، ووظفوا شعبوية اليسار لخنق اليمين الشعبوي.

اليوم ينظر الناس إلى الحزب الخاسر باعتباره رابحا، وإلى الحزب الرابح باعتباره خاسرا.

في هذه الحالة حكومة الأقلية قد تكون الحل الأمثل. لا مجال لأحد أن يحكم منفردا، ببساطة لأنّ الناس لم يعودوا مستعدين لقبول ذلك. تجربة مارغريت ثاتشر وتوني بلير في الانفراد بالسلطة كانت كارثية على كل المستويات. البريطانيون تعلموا الدرس جيدا، واليوم هم يلقنون الدرس نفسه للمحافظين. لا مقامرة مع الشعوب وأمزجتها. الحكومة “القوية والمستقرة” التي كانت تطمح إليها ماي، صارت حكومة أقلية.

حكومات الأقلية هي في جوهرها حكومات مؤقتة. تستطيع أن تطلق عليها “حكومة انتقالية”. في الخمس مرات التي حكمت فيها هذا البلد حكومة أقلية، انهارت الحكومة لصالح إجراء انتخابات مبكرة.

في بريطانيا جرت العادة أن يدعو رئيس حكومة الأقلية إلى إجراء انتخابات مبكرة. الأمر مرتبط بالقيم الأخلاقية التي يجب أن توجّه عمل السياسيين. عندما راهن رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون على بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، وخسر الرهان لم يتردّد في التنحي. كاميرون كان يعرف أن هزيمته تعني فقدان المشروعية السياسية والشرعية الشعبية معا.

ماي لا يبدو أنها تعير اهتماما لأيّ من هذا. البراغماتية والتلون والقفز بين المعسكرات جعلها تسقط في عيون كثيرين. الشباب، الذين عادة ما يكونون أكثر من يتحلى بالنقاء في أي مجتمع، أصابهم الذهول من براعة ماي في القفز على المواقف، وقرروا معاقبتها.

قرب كوربين من البسطاء وأيضا “روبوتية” ماي وتصلبها دفعا الشباب إلى النزول من أجل التصويت. الشباب هم من قرروا سحب “التفويض” الضئيل من ماي، ونقله إلى كوربين، رغم الانقسامات والصراعات الداخلية بين العماليين.

تخيل لو كان سياسي أكثر اعتدالا من كوربين هو من يقود الحزب. شخص على غرار توني بلير مثلا. كيف كانت لتبدو الصورة اليوم؟

تخيّل أيضا لو لم توجه وسائل الإعلام اليمينية وصحف “ديلي ميل” وذا صن” وغيرها مدافعها ليل نهار صوب كوربين متهمة إياه بأنه داعم للإرهاب وماركسي متطرف وقائد ضعيف وناشط أكثر منه سياسي. كم من الأصوات كان سيحصد وقتها؟

مشكلة حزب المحافظين أنّ قادته لم يفهموا جيدا معنى “السياسة الإنسانوية” بالنسبة إلى الشباب، ولم يقدروا قدرتهم على الفعل وقت الضرورة. اعتماد المحافظين على الصحف اليمينية الشعبوية لم يؤت ثماره. ما لم يفهمه هؤلاء هو أن الشباب لا يقرأون الصحف. الشباب يبحثون عن الأخبار في السوشيال ميديا.

السوشيال ميديا كانت تسبح عكس تيار وسائل الإعلام التقليدية. في الوقت الذي كان يظهر كوربين فيه على صفحات “ديلي ميل” باعتباره “سياسيا جبانا يخشى من إعلان الحرب دفاعا عن الوطن”، كان يتوّج على فيسبوك وتويتر كـ”بطل قومي” استطاع أن يلف الحبل على رقبة النهج “الشعبوي” و”البراغماتي المدمر” لماي.

الحقيقة الوحيدة اليوم هي أن بريطانيا تعيش انقساما غير مسبوق. هو انقسام بين المؤيدين لأوروبا والمناصرين للخروج منها، وبين اليمين واليسار، وبين كبار السن والشباب، وبين الطبقة الوسطى والعمال

انتصر الشباب في معركة الثأر من كبار السن. عندما تتحدث إلى طلاب الجامعات وحديثي التخرج في بريطانيا تفهم حجم الحنق تماما. الحنق تجاه “المستقبل المخطوف” أمام أعينهم، ومن أنانية عصر الإمبراطورية البالي.

هذا جيل تربّى على أنه جزء من أوروبا، وأن أوروبا جزء منه. كل حياته، بدءا بتطلعاته المستقبلية وطموحه في الحصول على وظيفة أو السفر للخارج أو تأسيس شركته الخاصة، مرتبطة بأوروبا. استفتاء الخروج الذي حسمه كبار السن كان انتكاسة لجيل كامل بدا أنه خجول من حقيقة أنه بريطاني.

النظرة العامة للشباب تتلخص في أن مجموعة من الناس، الذين ربما لن يكون باستطاعتهم البقاء على قيد الحياة طويلا، قرّروا التفكير في أنفسهم فقط وخطف البلد كله نحو أوهام ماضوية تقود نحو العزلة. التحوّل من القوة المحركة التقليدية للاقتصاد والإنتاج إلى الضحية، جعل ثقافة الثأر تخرج الشباب البريطاني من العزلة السياسية التي لطالما كانت طابعا أساسيا في شخصيّتهم، إلى خوض معركة ضد عزلة الهوية.

هذا التصور أعاد مفهوم الانتخابات البريطانية مرّة أخرى إلى “صراع القبيلتين”. المحافظون ضد العمال. الأمر صار يشبه الدوري الإسباني مثلا، حيث لا منافس لريال مدريد على الدوام سوى برشلونة!

مفهوم دوري كرة القدم هو ما سيقود المرحلة المقبلة. ماي، التي دعت لإجراء هذه الانتخابات من أجل إسكات “محاولات المعارضة تعطيل الحكومة عن تحقيق أيّ إنجاز”، سيكون عليها اليوم الخضوع إلى شروط هذه المعارضة في تعيين أيّ مسؤول صغير في دائرة الشرطة المحلية، وليس فقط في تحقيق الإنجازات.

إرث ماي انتهى في اليوم الذي أعلن فيه عن نتائج هذه الانتخابات. كل ما فعلته ماي هو أنها حفرت حفرة لحزب العمال، ثم وقعت فيها.

لا مجال لخروجها من هذه الحفرة ثم التصرف أمام الكاميرات وفي البرلمان ومع قادة أوروبا وكأن شيئا لم يكن. أيام حكومة ماي صارت معدودة، وعليها التصرف على هذا الأساس.

كاتب مصري

4