أيام شركات الأدوية باتت معدودة أمام تطبيقات التكنولوجيا

تمكّنت تطبيقات تكنولوجيا ابتكرتها شركات صغيرة صاعدة في وادي السيليكون من تدريب مرضى كثر على العناية بأنفسهم دون الحاجة إلى زيارة الطبيب بشكل دوري. ومعظم هؤلاء المرضى يعانون من أمراض مزمنة كالسكري وأمراض القلب والجهاز التنفسي، لكن الخاسر الاكبر سيكون شركات الأدوية العملاقة، التي لن تستطيع مجاراة هذا التقدم المتسارع، إذ تحتاج إلى سنوات طويلة لتجربة عقار واحد قبل طرحه في الأسواق.
الثلاثاء 2017/05/02
التكنولوجيا صارت طبيبا أيضا

نيويورك – تتجه شركات التكنولوجيا في وادي السيليكون نحو قطاع الصحة الذي لا يزال حكرا على شركات الأدوية والمستشفيات الخاصة. ويعني إنتاج تطبيقات جديدة على الهواتف الذكية لمساعدة مرضى الأمراض المزمنة كسر هذا الاحتكار وتقليل النفقات، وتغيير مفهوم مرضى السكري خصوصا لمرضهم المكلف تماما.

ولن يكون مرضى السكري في حاجة إلى المواظبة على زيارة الطبيب لقياس درجة السكر في الدم، كما سيكون عليهم التعامل مع مدربين دائمين لمتابعة حالتهم، وهو ما سيقلل من تكلفة زيارة الطبيب وسيساعدهم على الحفاظ على نسبة السكر في الدم دون تناول عقاقير.

ومن بين المرضى الذين باتوا يعيشون على مثل هذه التطبيقات ماغي فيلياو التي تُعاني من مرض السكري من النوع الثاني، ولا تجد العزاء في ما تسعى إليه من الأدوية من الصناعة، بل وأكدت وجود ثورة كبيرة تحدث بهدوء في تكنولوجيا وادي السيليكون.

وقبل عامين، كان صاحب الشركة التي تعمل فيها – في ذلك الحين – في كارولينا الشمالية عيّن فيلياو في برنامج تُديره شركة “ليفونغو هيلث” الناشئة ومقرها ولاية كاليفورنيا الأميركية، التي أعطتها جهازا أصغر من هاتف آيفون ومزوّدا بشريحة هاتف خلوي يتعقّب مستويات السكر في دمها.

ومن خلال استخدام أحدث التطورات في الحوسبة السحابية، يتم تحليل قطرة الدم التي تضعها فيلياو كل يوم على الفور، ويُرسل إليها رسالة نصية تخبرها ماذا ينبغي أن تفعل، كـ”شُرب كوبين من الماء والمشي لمدة 15 دقيقة” على سبيل المثال إذا وضعتها قراءتها في منطقة الخطر.

جو جيمينيز: البعض من هذه الشركات الرقمية تستحوذ على العلاقة بين الطبيب والمريض وتبعد شركة الأدوية عن ذلك

ومن خلال الضغط على زر تستطيع أيضاً الوصول إلى المزيد من المساعدة عبر الهاتف من “مدرّبها”، وهو أخصائي تغذية مؤهّل كان قد تعامل مع مرض السكري الخاص بها لأكثر من 40 عاما.

وبالنسبة إلى شركات الأدوية العملاقة، تمثل فيلياو نذير شؤم وفرصة في نفس الوقت، إذ تصبح سلالة تعطيلية من المبتكر الرقمي الجديد نقطة الوصول إلى الرعاية الصحية لمئات الآلاف من المرضى، لكنها تُهدّد أيضا بتقويض نموذج الأعمال الموجود منذ عقود في صناعة الأدوية.

وركزت شركات الأدوية الكبيرة منذ فترة طويلة على الأعمال المُربحة لتطوير العقاقير، بدعم من جيوش من مندوبي المبيعات المنتشرين لإقناع الأطباء باختيار أدويتها.

لكن التقنيات الرقمية الناشئة تُعيد تشكيل المشهد. ويستخدم جيل جديد من الشركات البيانات الكبيرة وأجهزة الاستشعار والذكاء الاصطناعي لتوفير مراقبة دقيقة في الوقت الحقيقي للمرضى، خاصة الذين يعانون أمراضا مثل السكري والانسداد الرئوي المزمن، والتي تفرض عبئا ثقيلا على ميزانيات الصحة المثقلة أصلا بالتكاليف.

ومع الوقت تتحوّل المنتجات والخدمات التي تطوّرها هذه الشركات إلى نقطة الاتصال الرئيسية للمريض مع النظام الصحّي، التي تصبح أحياناً مركز مراقبة عن بُعد أو صوتا مجهولا على الهاتف، بدلاً من مكتب الطبيب. ويقول توم ماين، الشريك في صندوق “سفن واير فينتشرز” وهو صندوق رأس المال المغامر الذي قاد الجولة الأولى من الاستثمار في شركة ليفونغو، إنه “بدلا من شراء حبوب الدواء، شركات التأمين أو أصحاب العمل قد يشترون حلا شاملا لمرض السكري. وهذا إطار عمل مختلف جداً لشركات الأدوية”.

وتدفع فيلياو، التي تقاعدت من عملها كممرضة قانونية، 50 دولارا شهريا مقابل خدمة شركة “ليفونغو” وتعيش دون تناول الأدوية. وتعتبر فيلياو مُدرّبتها توبي سميثسون، التي لم تلتق بها قط، لكن تقدّم لها الدعم العملي والنفسي، نقطة الاتصال الأكثر تكرارا مع النظام الصحّي.

وقالت فيلياو لمراسلة صحيفة “فاينانشيال تايمز” البريطانية “لديّ علاقة جيدة مع طبيبي، لكني أشعر أنني أتحدث مع السيدة سميثسون أكثر. وجود مُدرّب أدى إلى زيارات أقل للطبيب وإنفاق أموال أقل بتلك الطريقة. أشعر أنها تهتم فعلاً إذا نجحت أو حققت أهدافي في ما يتعلّق بالحمية الغذائية والتمارين”.

ويقول غلين تولمان، الرئيس التنفيذي لشركة “ليفونغو”، إنه قبل ثلاثة أعوام فقط لم تكن التكنولوجيا التي تدعم شركته موجودة، فالشركات في الولايات المتحدة فحسب، كانت هي المزوّد الرئيس للتأمين الصحّي. أكثر من نصف الشركات في مجلة فورتشن 100 تعمل مع شركة “ليفونغو” وتتطلّع إلى التوسّع في أوروبا وآسيا وكندا.

فرص استثمارية

بدأ المستثمرون في الرهان بشكل كبير على إمكانات الابتكار التكنولوجي من أجل تغيير طريقة تقديم الرعاية الصحية. ووفقا لصندوق “روك هيلث”، وهو صندوق استثماري مخصص للصحة الرقمية، تم استثمار ما مجموعه 4.2 مليار دولار في هذا القطاع في العام الماضي، حيث اجتذبت الشركات في مجال التحليل وفئة البيانات الكبيرة 341 مليون دولار ضمن 22 صفقة، أي أكثر من الضعف من عام 2015.

ومع ذلك فإن صناعة الدواء يجب أن تتعامل مع ثقافتها الراسخة الخاصة إذا كانت ستستفيد من التوسع في التقنيات الرقمية.

ويقول ستيفان بيزدورف، الذي يقود عمل قسم فارما الطبي والتكنولوجيا الطبية في شركة “ماكينزي” في أوروبا، إن “الهوامش التي حققتها الأعمال الصحية الرقمية صغيرة مقارنة بتلك المرتبطة بعقاقير رائجة، ما يجعل من الصعب بناء حجة تجارية لمصلحة الاستثمار”.

تطبيق للولادة دون الحاجة إلى طبيب

لكن دورة التعديلات التي لا تنتهي والتطويرات التي يمرّ من خلالها أي جهاز رقمي قبل طرحه في السوق أمر غريب على صناعة من شأنها أن تنتظر أكثر من عقد من الزمان لإخراج العقار من المختبر إلى السرير. لكن من المتوقع ألا تحدث أي تغييرات أخرى بمجرد أن تؤمن الموافقة التنظيمية.

كما أن صناعة الأدوية ليست في وضع جيد يؤهلها لاستغلال عالم جديد للرعاية الصحية يتطلب القدرة على بناء روابط دائمة مع المستهلكين.

وتستشهد سارة نيفيل، محررة التكنولوجيا في “فاينانشيال تايمز”، على سبيل المثال بشركة “ماي شوغر”، وهي شركة مقرها فيينا تستخدم مزيجا مماثلا من التكنولوجيا، جنبا إلى جنب مع الدعم عند الطلب لجمع البيانات مباشرة من المستهلكين.

ويقول بيزدورف “لا يعمل لدى هذه الشركة سوى 50 موظفا، ولكن لديها ربما فهم أكبر بكثير وأكثر عمقا لسلوك المريض في مرض السكري من بعض أكبر شركات السكري، أو منتجي الإنسولين، في العالم”.

ويعترف جو جيمينيز، الرئيس التنفيذي لشركة “نوفارتيس”، شركة صناعة الأدوية السويسرية التي ينظر إليها على نطاق واسع بأنها الرائدة بين شركات الأدوية الكبرى في مجال الصحة الرقمية، بأن الصناعة “بطيئة في اعتماد البعض من التكنولوجيات الرقمية مقارنة بالصناعات الأخرى”، ويعترف بأن هناك “خطرا يتمثل في أن البعض من هذه الشركات الناشئة الرقمية تستحوذ على العلاقة مع الطبيب والمريض وأنها تُبعِد شركة الأدوية عن ذلك”.

ومع ذلك، وكما يقول جيمينيز، وهو مدير تنفيذي سابق في شركة “هاينز”، وخلفيته في عالم التجزئة سريع الحركة، إن الصناعة تتبنى التقنيات الرقمية “بمعدل متسارع”، ويجادل بأنها يمكن أن تتباهى بقاعدة من المعرفة لا يمكن للمنافسات الرقمية الصغيرة أن تنافسها.

ويضيف “أعتقد أن شركات الأدوية الكبيرة لديها ميزة، وليس على جانب خفة الحركة ولكن بالتأكيد على ما تعرفه عن حالات المرض، وحول المرضى، عن نظام الرعاية الصحية بأكمله، وكثير من الشركات الناشئة ليست لديها تلك التجربة”.

ويرى جيمينيز أن الشركات الرقمية المتميّزة هي “بالتأكيد شركات منافسة محتملة أو أنها ستصبح شركاء”.

وتظهر مجموعة من الصفقات في السنوات الأخيرة أن البعض من مجموعات الأدوية تتسابق لتعزيز القدرة الرقمية، من خلال شراء شركات تقدّم خبرات جاهزة، أو الدخول في شراكات في سعيها إلى تقديم خدمات “تتجاوز حبّة الدواء”.

وشقّت شركة “تيفا” للأدوية هذا الطريق في عام 2015 عندما أعلنت أنها كانت في عملية شراء شركة “جيكو” للابتكارات الصحية مقابل مبلغ لم يكشف عنه. وكان عامل الإغراء هو منتج “جيكو” الرئيس المعروف بـ”كير تريكس”، الذي هو منصة لمساعدة المرضى المزمنين من أمراض الجهاز التنفسي، والذي يجمع بين جهاز استشعار يتصل بمعظم أجهزة الاستنشاق مع وظيفة تحليل البيانات.

في الوقت نفسه، انضمت شركة صناعة العقاقير الفرنسية “سانوفي” أخيرا إلى شركة “فيرلي لايف ساينس” للعمل على الأجهزة ودعم الذين يعانون من مرض السكري، وتعمل شركة “فايزر” مع شركة “أي بي إم” كجزء من عملها في علم الأورام المناعي، وذلك باستخدام خبرتها في تحليل البيانات لتحديد أهداف دوائية جديدة.

ويقول إيريك نوردكامب، رئيس شركة “فايزر” في بريطانيا، إن مستقبل الرعاية الصحية سيشمل “تقارب التكنولوجيات للوصول إلى حلول أفضل”.

ستيفان بيزدورف: الهوامش التي حققتها الأعمال الصحية الرقمية صغيرة مقارنة بتلك المرتبطة بعقاقير رائجة

وأضاف “محليا وعالميا نحن بعد مناقشات مع بعض هذه الشركات نقول: كيف يمكن أن يبدو ذلك في المستقبل؟”.

الوصول إلى المرضى

لا يزال الوقت مبكرا بالنسبة إلى شركات الأدوية الكبرى بخصوص جهودها في المجال الرقمي. حتى شركة نوفارتيس، التي تقول إن استثمارها في التكنولوجيا المتطورة يدخل في كل ما تفعله، لم تجلب حتى الآن أي منتجات متمكنة رقميا إلى السوق الشاملة.

ويركز أحد البرامج الواعدة على عقار لمرض القلب تابع لها يسمى إنتريستو، الذي وجد أنه يقلل من معدل الوفيات في المستشفيات والوفاة نتيجة العوارض القلبية الوعائية بنسبة 20 في المئة. وقد شكلت مشروعا مشتركا مع شركة “سانيتاس” للتأمين الصحي السويسرية لتقديم المراقبة عن بعد والتدريب للمرضى الذين يعانون قصور القلب المتقدم.

ومع ذلك، فإن التقدم بطيء. ويشتمل المشروع التجريبي على 50 مريضا فقط، وسيتم توسيعه تدريجيا في الأشهر المقبلة. مقارنة بذلك، يبلغ عدد أفراد “ليفونغو” 35 ألف “عضو”، وهي الكلمة التي تطلقها على مستخدميها.

ويشير جيمينيز إلى مبادرات “نوفارتيس” الأخرى مثل “بريزهيلر”، وهو جهاز استنشاق للربو مزوّد بتقنية لاسلكية، وعدسات لاصقة “ذكية” يمكنها الكشف عن مستويات السكر في الدم من خلال الدموع، وتجنّب الحاجة إلى سحب الدم، الذي سيكون “أقل كثافة من حيث استخدام اليد العاملة وأكثر سهولة في طرحه بسرعة كبيرة”.

ومع ذلك، تم تأجيل تجارب العام الماضي لعدسة السكري مع عدم طرح الشركة تاريخا بديلا لذلك، ويعتقد على نطاق واسع أن شركة “نوفارتيس” تنظر في بيع ألكون، وحدة العناية بالبشرة. وتقول الشركة إنها “تقوم بمراجعة الخيارات الاستراتيجية لقسم ألكون لتعظيم قيمة المساهمين”.

وأصبح من الضروري تطوير القدرة في هذا المجال أقوى حيث إن النظم الصحية تتطلب دليلا قويّا على أن الدواء فعّال ويخفف الضغط على الميزانيات، على سبيل المثال عن طريق الحد من الإقامة في المستشفيات.

يقول جيمينيز إن آفاق هياكل الدفع الجديدة هذه تجعل شركات الأدوية الكبرى “مضطربة جدا”. ويقولون “إذا كنت ستدفع بناء على نتيجة صحة المريض، فإنني بالتالي أريد أن أكون قادرا على السيطرة على التزام المريض، لأنه إذا كان هذا المريض لا يأخذ الدواء، فإن هذا يعني أنني لن أحصل على مال”. ويقدّر أن نحو 25 في المئة من جميع الإنفاق الصحي، بما في ذلك الإنفاق على المستحضرات الصيدلانية، “لا يسهم في تحقيق نتائج إيجابية للمريض”.

ويقول لارس فرورغارد يورغنسن، الرئيس التنفيذي لشركة “نوفو نورديسك”، أكبر شركة لصناعة الإنسولين في العالم، إن هذه هي القطعة المفقودة لجميع صانعي الأدوية.

وأضاف “لقد قضينا أكثر من 90 عاما في تنقية الجزيئات، ومع ذلك لدينا أقل من 10 في المئة من مرضانا في مستوى من السيطرة التي من شأنها القضاء على خطر حدوث مضاعفات في المرحلة المتأخرة، وهذا ليس جيدا بما فيه الكفاية”.

ومن خلال شراكة أخرى مع “أي بي ام” فإنها ستجمع البيانات حول تأثير الإنسولين وامتثال المرضى، التي من شأنها أن توفر “مستوى راحة أكثر” بحيث يمكنها تحقيق التوازن بين المخاطر والمكافآت في العقود المستندة إلى النتائج في المستقبل.

وقال يورغسون إن “المرضى الذين لديهم معرفة أفضل بصحتهم “سيعالجون أنفسهم بشكل أفضل، الأمر الذي سيؤدي إلى زيادة استخدام الإنسولين عالي الجودة من شركة نوفو نورديسك”.

ومع ذلك فإن أحد أكبر المشكلات التي تواجه الصناعة هو ما إذا كان التطبيق الذي تنتجه أي من شركات الأدوية -ويتعلق بعلامة تجارية واحدة من الأدوية – سيولّد الدرجة نفسها من الولاء من المرضى ومن أطبائهم كتلك التطبيقات التي تنتجها شركة مستقلة ناشئة.

13