أيام في أصيلة.. حراك ثقافي ممتد

أكثر من حديقة من حدائق أصيلة سميت بأسماء مبدعين ومفكرين كبار من الراحلين، كانت لهم مشاركاتهم في دورات موسم أصيلة الثقافي.
السبت 2019/08/10
مهرجان فاض بسحره على المدينة وما جاورها

بات موسم أصيلة الثقافي واحدا من أهم النشاطات الثقافية العربية والأفريقية، وهو في تطوّر ونضج مستمرين، وتأتي أهميته من تواصل واستمرار دوراته ومن تعدّد ميادين نشاطه، وكذلك من أهمية المشاركين في هذه النشاطات من مغاربة وعرب وأفارقة وغيرهم.

في مطلع شهر يوليو الماضي، حللت في مدينة أصيلة المغربية، للمشاركة في نشاطات موسم أصيلة الثقافي الحادي والأربعين، بدعوة كريمة من الأمين العام لمنتدى أصيلة الثقافي، محمد بن عيسى، وكانت مشاركتي هذه في يومين متتاليين، حيث شاركت في اليوم الأول عددا من الشعراء والنقاد المغاربة والعرب، بتقديم ورقة نقدية، ركزت فيها على متغيرات القصيدة في فضاء المتغيرات العامة، وفي اليوم الثاني شاركت شعراء آخرين من المغرب وعدد من الأقطار العربية بقراءة عدد من قصائدي، ولم يتوقف حضوري في نشاطات موسم أصيلة الثقافي خاصة، وفي الفضاء الثقافي المغربي عامة، على اليومين المذكورين، بل تواصل هذا الحضور، في ما عشت من حيوية الحراك الثقافي، حتى يوم اختتام هذا الموسم، لأعود إلى الأردن حيث أقيم في عمّان.

بين زمنين

إن علاقتي بمدينة أصيلة، تمتد إلى زمن غير قصير، إذ كانت زيارتي الأولى لها في العام 1976 حيث شاركت وفدا من اتحاد كتاب المغرب جاء إليها للمشاركة في نشاط أدبي كان يقيمه خريجو ثانوية الإمام الأصيلي، وكنت العربي الوحيد، حيث كنت أعمل ملحقا صحافيا في سفارة العراق بالرباط، وكان جميع المشاركين في ذلك النشاط من الأدباء المغاربة القادمين من مدن شتى، وكانوا في ضيافة أبناء مدينة أصيلة، ينامون في بيوتهم ويتناولون بعض وجبات الطعام فيها.

أما أنا وبمبادرة من محمد برادة، فقد حجز لي فندقا بمدينة طنجة، إذ كان أيام ذاك رئيس اتحاد كتاب المغرب، فإذا انتهت النشاطات الأدبية وحلّ المساء، رافقني الروائي الراحل محمد شكري إلى مدينة طنجة لأقضي ليلتي في أحد فنادقها، ثم يمر بي صباحا لنعود معا إلى أصيلة والالتحاق بزملائنا.

لقد كانت بلدة صغيرة، وكل ما فيها بسيط ومتواضع، رغم جمال موضعها وسحر طبيعتها، وإذ لا أتذكر جميع ما كان فيها، لكن أن أقيم في فندق بطنجة، فهذا يعني أن فنادقها لم تكن مهيأة لاستقبال ضيف متواضع في طلباته واحتياجاته.

ثم كانت زيارتي الثانية في أوائل تسعينات القرن الماضي، للمشاركة في أحد مواسم أصيلة الثقافي الذي كانت انطلاقته في العام 1978، ورغم كون إقامتي في أصيلة قصيرة، غير أنني لاحظت تطورا واضحا على صعيد البنى الحضرية فيها، قياسا على ما كانت تحتفظ به ذاكرتي من صورة لبلدة صغيرة تحمل الكثير من ملامح القرى الأندلسية، وإذ كان ذلك التطوّر هو في إطار التطوّر العام في المغرب، إلاّ أن الكثيرين ممّن التقيتهم يحيلون التقدم الذي عرفته أصيلة تحديدا، إلى تأثير الموسم الثقافي، حيث باتت المدينة ترفل بنشاط سياحي، محلي وخارجي، وهذا النشاط اقترن بنشاط تنموي.

بلدة صغيرة تحمل الكثير من ملامح القرى الأندلسية
بلدة صغيرة تحمل الكثير من ملامح القرى الأندلسية

خلود فكري

أما في زيارتي الأخيرة، حيث شاركت في موسم أصيلة الثقافي الحادي والأربعين، وقد أشرت إلى ذلك من قبل، فقد فاجأتني مدينة حديثة تتسم بالحيوية والجمال والاستقرار والأمان والتنظيم الحضري بجميع مفرداته التي اعتدنا أن نجدها في المدن المتقدمة وبجميع الخدمات التي تسعد سكانها وتستقطب القادمين إليها، وممّا لفت نظري أن مبدعين معروفين من مغاربة وعرب وأجانب اختاروا الإقامة فيها وممارسة نشاطهم الإبداعي في رحابها.

إن المساحات الخضراء فيها من حدائق ومتنزهات وملاعب أكبر بكثير ممّا اعتدنا أن نجدها في بعض المدن الكبيرة، وبالمناسبة لا بد من الإشارة إلى أن أكثر من حديقة من حدائقها سميت بأسماء مبدعين ومفكرين كبار من الراحلين، كانت لهم مشاركاتهم في دورات موسم أصيلة الثقافي، منها حديقة الشاعر الأفريقي تشيكايا أوتامسي وحديقة محمد عابد الجابري وحديقة بلند الحيدري وحديقة محمود درويش، وربما كانت حدائق أخرى بأسماء مبدعين آخرين، لم تتح لي فرصة للاطلاع عليها، أما المدينة القديمة فقد ازدادت ألقا بكل ما فيها من بيوت وأسواق، وشواخص تشكّل ركنا من أركان تاريخ المدينة الاجتماعي والسياسي، وذلك بفضل العناية بها وترميمها والحرص عليها.

وعلى الصعيد الشخصي، أتيح لي في هذه المشاركة، أو لأقل على هامشها، أن ألتقي أصدقاء، حرمتني ظروفي وظروف بلدي في الربع القرن الأخير من اللقاء بهم، فجدّدت معهم ما كان من أواصر علاقات شخصية وثقافية واستعدنا بعض ما كان لنا من ذكريات.

وبمبادرة من صديقي المثقف الرصين أحمد المديني الذي خطّط لكل شيء بدقة عرف واشتهر بها، زرنا مدينة طنجة ورافقنا إليها الشاعر إدريس علوش، فتوقفنا عند أماكن كنا نتردّد عليها قبل أربعة عقود من الزمن، لكن غاب عنها من كنا نلتقيهم فيها من الكتاب والفنانين، فاستحضرنا ذكرياتنا معهم.

الكاتب الإسباني خوان غويتسللو الذي عاش وتوفي في مدينة مراكش، اختار أن يدفن في العرائش، ربما ليكون قريبا من وطنه

ثم كانت رحلتنا من طنجة إلى الرباط بالقطار فائق السرعة “البراق” وكانت هذه الرحلة تستغرق في ما مضى، إنْ أسعفتني الذاكرة، ما يقرب من ست ساعات، فاختصرها “البراق” في سبعين دقيقة، مع أنه توقّف في مدينة القنيطرة لمدة عشر دقائق، ومكثنا في الرباط ليلة ونهارين، كان شعوري فيها موزّعا بين السعادة والذهول، فقد كنت سعيدا بمن التقيت من الأصدقاء والمعارف، وجلهم من كبار المثقفين وصفوة الأكاديميين، وفي حالة ذهول من المتغيرات التي شاهدتها في الرباط التي عرفتها، حتى كأنني في مدينة أخرى بسبب مستجداتها الكثيرة، بل الكثيرة جدا.

ما أن عدنا إلى أصيلة، فقد توجهنا منها إلى مدينة العرائش التي لم أزرها من قبل ووجدنا الشافعي بانتظارنا، وهو من أصدقاء الشاعر إدريس علوش الذي كان يعاني من وعكة صحية، وقادنا الشافعي في جولة أطلعنا خلالها على معالم المدينة التاريخية وعلى مينائها المطل على الأطلسي، وحين شاهدت مركز المدينة وميدانها الرئيسي، وجدتها تشبه إلى حد كبير بلدة أندلسية.

وزرنا المقبرة البحرية، حيث قبر الكاتب الفرنسي جان جينيه وغير بعيد عنه قبر الكاتب الإسباني خوان غويتسللو الذي عاش وتوفي في مدينة مراكش، لكن يبدو لي أنه اختار أن يدفن في العرائش ليكون قريبا من وطنه.

ثم كانت عودتنا إلى أصيلة لحضور حفل ختام الموسم الثقافي الذي تميز بحضور شعبي كبير، وأمام هذا الحضور تساءلت إن كان منتدى أصيلة الثقافي يحتفي بأبناء أصيلة، أم أن
أبناء أصيلة يحتفون بختام موسمهم الثقافي؟ وأجمل ما لفت نظري في حفل الختام، هو إعلان أمين عام المنتدى محمد بن عيسى، عن بدء الاستعدادات للموسم الثاني والأربعين من موسم أصيلة الثقافي.

14