أيام في البصرة

الجمعة 2015/05/22

ونحن ذاهبون إلى الشاطئ في اليوم الأول من قدومنا إلى البصرة، اقترب منا صبیّان، كانا يضحكان ويسخران من بعضهما. يبيع أحدهما بذور عباد الشمس، والآخر يحمل في يده هرما من حلوى “غزل البنات” أو كما يسمونه في العراق “شعر بنات”.

قال الذي يبيع البذور وكان الأكثر مزاحا وبهجة من صاحبه: “اشتروا مني”. قلنا: “وصلنا اليوم إلى البصرة، وليس معنا أي نقود عراقية”. مدّ يده نحونا، فيها لفاف ورقي يحتوي على قبضة من بذور عباد الشمس، وقال: “هذه لكم، دون نقود”. بكلّ هذا الكرم الطفولي العراقي الجنوبي الذي حثني على البكاء لفرط جماله، استقبلتنا البصرة.

وفق ما كانت تذكر لي أمي من ذكريات طفولتها، وقد كانت ترتادها بين حين وآخر مع أهلها المقيمين قرب الأهوار (المستنقعات على الحدود العراقية الإيرانية) كانت البصرة مدينة جميلة فيها الكثير من الحدائق، والترف، والشوارع النظيفة الناصعة، والحافلات الحديثة. كنت أعرف أنها تعرضت لكثير من الدمار خلال الحرب العراقية الإيرانية، وبعد سقوط نظام صدام حسين كذلك، لكننا ونحن داخلون إليها بالسيارة التي قادتنا من النجف نحوها، كانت تلك الصور التي تكوّنت في بالي، وصنعتها منذ سنوات في خيالي بالقراءة عنها، لا سيما من قصص كاتبها العظيم “محمد خضير”، تتلاشى واحدة بعد الأخرى.

بيوت قديمة كانت جميلة في زمن ما وقد تشوهت وجوهها اليوم، وبيوت بنيت بعشوائية هنا وهناك، شوارع ملوثة بكثير من القمامة المتكدسة فوق بعضها البعض، وبضع أشجار نخيل وحيدة كانت تكوّن ملامح البصرة العظيمة.

وحده النهر في الليل، وحين قطعنا الجسر من قرب الفندق إلى الضفة الأخرى، كان ذلك يجعلنا نشعر أننا في تلك البصرة التي توقعنا أن تكون؛ المصابيح فوق الجسور والماء الهادئ، والصيادون على الجسر، ورائحة السمك التي طالما أحببتها، كانت بمثابة ومضات لسعادة ضائعة.

لكنه وفي النهاية، وجه مترب وحزين، وقد كان وجه أغنى مدن الشرق الأوسط.

في أيام أخرى، وبعد أن وصل صديقنا الشاعر والرسام “يحيى البطاط” من دبي للمشاركة في المهرجان، وشاهد مدينته بعد عدة سنوات، وحين كان يصوّر الشوارع والقمامات منسية فيها، رأيت عن كثب ما يمكن أن يشعر به المرء حين يرى مدينته محطمة بعد سنوات؛ حزن يحيى كان يثبت لي مرة أخرى أن أوطاننا، آلام.

كنت أحب أن ألتقي بـ”محمد خضير” لأسأله كيف تحوّلت بصرته إلى هذا؟ لكنني حين التقيته خلال ليالي المهرجان، شغفت بلقائه فقط، لفرط ما كان جميلا، وهادئا، ومتواضعا، ولطيفا. لم أسأله أين تلك البيوت والشبابيك التي وصفها؟ وأين تلك البصرة؟ شعرت فقط بفرح كبير للقائه وهو كعادته يحمل كتابا بيده كلما رأيناه، يردّ بهدوء على من يحييه ويناديه “أستاذ”. وذكر لي صديقي أنه كان يحضر مجالسهم الأدبية قبل عقود بنفس الطمأنينة والتواضع، فيأتي بدراجته، ويجلس، ثم ينسحب بهدوء.

في الليلة الأولى وبعد وصول الأصدقاء من بغداد، والذين التحقوا بنا للمشاركة في مهرجان المربد الشعري، بدأت مسراتنا، بتلك السهرات مع أفضل شعراء العراق، والضحك، والشعر، والذكريات، وترحاب أهل المربد بنا، استطعنا أن ننسى صدمتنا بعض الشيء أو نتناسى ما شاهدناه.

ومن خلال جولاتنا في أزقة البصرة، وسوقها الشعبية، ولقاء أهلها الطيبين أكثر مما يمكن للإنسان أن يكون طيبا، تأكدت من أن المدن قد تتغير ملامحها، لكن هناك جذورا لا تتغير، وأن ثمة أصواتا يمكنك سماعها كلما سرت في المدن، تبوح لك بأسرارها. وأسرار البصرة كانت في الشبابيك القديمة، في المقهى الصغير القديم الذي يلتقي فيه أدباؤها، واللافتات التي بقيت فوق أبواب المقاهي والمحال كما كانت منذ عقود، وفي عيون أهلها التي تمزج بين البهجة والحزن، ولدى الصبيّين اللذين أودّ لو ألتقيهما مرة أخرى فأشتري منهما البذور و”شعر بنات” بنقود عراقية.

في البداية نظر أحدهما -الأصغر، والضاحك دائما- إلى مظهري وقال: “هل أنت ولد؟” قلت: “نعم”. ضحك وقال: “لا، هناك قرطان في أذنيك”.

وقبل أن ننهض، سألني: “هل لديك صور من إيران؟” أريته في هاتفي المحمول صورة عادية لشارع عادي قرب بيتي، قال: “كم أحب أن أسافر إلى هنا”… لم يغادر ذاكرتي حتى الآن، ولن أنسى تلك الطفولة المبهرة إلى الأبد، أفكر فيه وأتمنى لو كانت كل الشوارع الجميلة في العالم له، ولقدميه الصغيرتين.

شاعرة ومترجمة من إيران

14