أيام في الجزائر

الأربعاء 2015/09/30

جذبتني الفكرة منذ اللحظة الأولى حين تحدثت معي الشاعرة الجزائرية “لميس سعيدي”، والتي كنت بدوري محبة لشعرها: أن نكتب نصّا مشتركا، في إطار إقامة أدبية يحضرها عدد من الشعراء العرب من الجزائر وبلدان أخرى، وبإشراف الشاعر الجزائري الجميل “بوزيد حرزالله”.

لم أضع في ذهني صورا مسبقة عن الإقامة قبل أن أذهب إلى الجزائر، ولا عن النص الشعري المشترك الذي سنكتبه أنا والشاعرة، ولا عن المدينة التي كان من المقرر أن نقيم فيها “عنابة”، ولا عمّا سيحدث.

كان من المقرر أن نقيم أسبوعا في عنابة، ثم ننتقل بعد ذلك إلى المدينة الأسطورية بطبيعتها، وتضاريسها، وجبالها “قسنطينة”. كنت قد زرت قسنطينة قبل سنوات ولكن ليوم واحد، وسأتشبّع خلال ثلاثة أيام من الإقامة فيها بمزيد من روحها وحضورها الطاغي بالحجر، والجبل، والشجر، والجسور التي تنفرد بها قسنطينة دون غيرها، وذلك الجسر الطويل الرفيع الذي ينظر إليك وأنت تقطعه لتصل إلى الطرف الآخر من المدينة، يمتد ويتبعك حتى بعد أن تبتعد عنه، وحتى بعد أن تغادر المدينة، وبعد أن تصل إلى بيتك، ويبقى يدور في ذاكرتك، هو وتلك الأشجار، والمياه التي تجري من تحته.

فكرت منذ البداية أن كل شيء سيكون مغامرة ممتعة، فتركت كل شيء يأتي كما يشاء. والآن وقد مرّت أيام عدّة على انتهاء الإقامات أفكر أن كل شيء بالنسبة إليّ كان يأتي في أبهى أشكاله؛ سعادتنا أنا ولميس لما انتهينا من كتابة النص، ورأينا كم كنا قريبتين إحدانا من الأخرى، دون أن نتحدث في الأمر كثيرا، ولكم اقتربت عوالمنا الشعرية طيلة كتابة النص، لنخرج نصا مشتركا يمنحنا ذلك الشعور بالبهجة من مؤانسة روحين، ونصين، وعالمين.

قد يكون من الصعب أن يخرج الشاعر من عالمه، وخلوته الخاصين به ليشارك الآخر/ الشاعر عالمه، لكني أشعر الآن أننا تمكنّا من مواجهة هذا التحدّي؛ استطعنا أن نروّض الروح الشاعرة الطالبة للعزلة، والخلوة، لتندمج مع الروح الشاعرة الأخرى. وفي الأمر نوع من الترويض بمعناه الروحاني والصوفي، والسلوك الروحي، ثم الوصول إلى الفلاح، وأظن أن سعادتنا في تلك اللحظة، بعد أن قرأنا النص المشترك معا كان مصدرها ذلك الشعور بالفلاح؛ إضافة إلى البهجة التي تعتري الشعراء قاطبة بعد انتهائهم من كتابة نص يروقهم.

أما عنابة فقد فتنتني ككل مدينة زرتها في الجزائر، ويتضح لي كل مرة أن هذا البلد المفعم بالسحر، يحضر لي في كل زيارة أشياء جديدة لا أظن أنها سوف تنتهي ذات يوم.

ورغم أنه لم يتسن لنا التجول كثيرا في شوارع المدينة وأزقتها، وأسواقها، أو الاحتكاك بسكانها، إلا أن ذلك المنظر الذي كان يقول لي كل يوم وبصوت عال “صباح الخير”، وأنا أزيح الستائر كل صباح في غرفتي في الفندق المطل على البحر والجبل، كان يبوح بأشياء كثيرة عنها.

أفواج الناس على الشاطئ نهارا، وأصوات الموسيقى التي تصل في الليل من ناحية المدينة إلى الفندق، وشعوري المتبادل مع المنظر الخارجي الذي يضمّ مباني ليست بالحديثة لحسن الحظ، وبحرا صافيا كسماء المدينة، والجبل الذي يتأمل ما يمرّ من أمام عينيه ويقول “سلاما”. ثم ذات يوم وأنا أشاهد منظر غروب الشمس من فوق هضبة حجرية مرتفعة يخفق قلبي مدهوشا من روعة الألوان والهدوء اللذين يشعر بهما الأفق هناك في البعيد، كل تلك الأشياء رسّخت في ذهني صورة لعنابة، أعود كل مرة إليها وهي واقعة في تلك النقطة القريبة من الذاكرة، لأقول لنفسي “لو كنت الآن هناك”.

شاعرة من إيران

14