أيام قرطاج السينمائية تظاهرة توقظ روح تونس العريقة

المهرجان يحافظ على ثبات اختياره منذ ما يزيد على نصف قرن بالانفتاح على التجديد ومواكبة التطور الذي يطرأ على الفن السابع دون التفريط في الأسس والقيم التي جاء لأجلها.
الخميس 2019/11/14
مهرجان لم يفقد بوصلته يزداد ألقا عاما بعد عام

"لماذا السجاد الأحمر يا إدارة مهرجان قرطاج السينمائي؟ أما كان الأجدر أن تتركونا، كما كنّا، نتزاحم متحمسين وصارخين أمام صالات العرض، بكل ما أوتينا من شغف وحماس، وجوع للسجال والحوار حول تلك الأعمال التي تأتينا من أفريقيا والعالم العربي وأميركا اللاتينية، وحتى أوروبا التي أرسل منها الأخوان لوميير، سنة 1896 مصوريهم لتصوير أحياء تونس الحبلى بحكايات لم تكتشفها الكاميرا، آنذاك؟".

هذا المأخذ الوحيد أو “الاحتجاج المشروع”، يحق لكل تونسي شغوف بالفن السابع، وتربى على إيقاع أيام قرطاج السينمائية، أن يعاتب به المشرفين والمنظمين، لكن كل شيء ظل ذا مزاج تونسي، يبلغ حد التفرد والاستثناء في هذا المهرجان الذي آل على نفسه أن يحتفي بسينما الجنوب، منذ انطلاقته عام 1966 بمبادرة من أهم عشاق الفن السابع ومناضليه الأشاوس في تونس وأفريقيا. إنه الطاهر شريعة الذي أسس الجامعة التونسية لنوادي السينما، وكذلك مهرجان السينما الأفريقية بواغادوغو، ببوركينا فاسو سنة 1971 ومهرجان مقديشو بالصومال.

ظلال الراحلين

مهرجان قرطاج السينمائي الذي انطلق هذا العام في دورته الثلاثين، من 26 أكتوبر إلى الثاني من نوفمبر الجاري، وقد اشتد عوده، بل أصبح مرجعا ومزارا للسينما العربية والأفريقية، يعيش غصّتين شديدتي الألم والحسرة، إذ غيّب الموت المفاجئ مديره العام، المنتج السينمائي المتميز نجيب عياد، يوم 16 أغسطس الماضي، وتلاه المخرج اللامع شوقي الماجري يوم 10 أكتوبر، في فاجعة حلت بالوسط السينمائي التونسي والعربي، لكن أسرة أيام قرطاج السينمائية كرمت روحي الفقيدين كأحسن ما يكون التكريم، وتعهدت بمواصلة مشوار الاحتفاء بصناع هذا الفن النبيل رغم المصاب الجلل.

صناعة السينما في تونس تستحق مهرجانا من حجم قرطاج وألقه في تونس وأفريقيا، ذلك أنها لم تنتظر طويلا، حتى تأسست أول دور العرض عام 1908، وأنجز الشاب التونسي ألبير شمامة شيكلي أول أفلامه سنة 1922 بعنوان “زهرة”، وكان من تمثيل ابنته هايدي.

ولئن تأخر الاستقلال الوطني إلى عام 1956، فإن أول منجزاته الثقافية كان تأسيس “الشركة التونسية للتنمية السينمائية والإنتاج” وظل إدمان السينما يكبر وينتشر بفضل نوادي السينما التي اكتسحت جميع مناطق البلاد، بما فيها البلدات والقرى النائية التي تزورها عربات العرض الجوالة في احتفاليات وثقها السينمائيون التونسيون وخلدوها في أفلامهم.

لوثة عشق السينما توارثها الرواد الأوائل جيلا بعد جيل، إلى أن وقع تتويجها بتأسيس مهرجان قرطاج السينمائي الذي ساهم في التعريف بأسماء تكاد لا تكون معروفة في بلدانها مثل السينغالي عصمان صامبي، المصري يوسف شاهين، اللبناني برهان علوية، الموريتاني محمد هندو، الجزائري مرزاق علواش والتونسي الناصر القطاري.

تتوزع المسابقات بين الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة والتسجيلية الوثائقية، ودأبت الهيئة المنظمة للمهرجان على اختيار لجان تحكيم مشهود لها بالنزاهة والبعد عن المجاملات والتملق، وكثيرا ما خرج المخرجون المحليون من عرسهم السينمائي بلا جوائز ولا تنويهات. كل ذلك في سبيل أن يستحق مهرجان قرطاج اسمه وسمعته، ويكون في مستوى رسالته التي انطلق من أجلها.

عرائس الخوف

الإرادة الجماعية التونسية في الإخلاص لروح السينما، ولا شيء غير السينما، تنعكس بجلاء على أيام قرطاج، والفضل في ذلك يرجع إلى ما أرساه المهرجان من “وعي نضالي” بأهمية السينما، يصل حد التطوع والمبادرة بل التضحية أحيانا
الإرادة الجماعية التونسية في الإخلاص لروح السينما، ولا شيء غير السينما، تنعكس بجلاء على أيام قرطاج، والفضل في ذلك يرجع إلى ما أرساه المهرجان من “وعي نضالي” بأهمية السينما، يصل حد التطوع والمبادرة بل التضحية أحيانا

لأن الإنسانية بوصلة السينما، فقد كرّم المهرجان عبر تاريخه، وخلّد مختلف قضايا البشرية في التحرر ومكافحة العنصرية، والتوق إلى حياة كريمة. وكان آخر الالتفاتات الإنسانية التي وقف عندها المهرجان في دورته الحالية هي إحياؤه لذكرى الطفل السوري آيلان، المسجى على شاطئ بحر إيجة، عبر تكريمه لعمل شاركت فيه خمس وثلاثون جنسية من بينها تونس، إذ ضم مديري تصوير وممثلين معروفين من ألمانيا والولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وتركيا وبلدان أخرى. وسوف تخصص إيرادات هذا الفيلم لفائدة اللاجئين.

وفي نفس السياق المتعلق بالمسألة السورية وما لحقها من تجنيد الجهاديين، اختارت إدارة المهرجان فيلم التونسي نوري بوزيد، “عرائس الخوف” ليفتتح الدورة الحالية. وفي هذا العمل الذي نال صاحبه التانيت الذهبي لمرتين، ترافق الكاميرا زينة ودجو في رحلة العودة إلى تونس من سوريا، هروبا من داعش، وتصارع كل من هاتين الفتاتين للبقاء وإعادة بناء الذات بمساعدة المحامية نادية والطبيبة درة. تجد دجو في الكتابة أفضل ملجأ، بينما تختار زينة  شابا مثليا للبوح وإثبات الوجود أمام المحكمة ضمن وسط اجتماعي، شديد التسرع في الحكم على الآخر.

اختارت أيام قرطاج السينمائية منذ ما يزيد عن نصف قرن، أن تنفتح على التجديد ومواكبة التطور الذي يطرأ على الفن السابع دون أن تفرّط في جملة الأسس والقيم التي جاءت لأجلها، وهي البحث عن سينما بديلة تشبه بلدان الجنوب، وتستفيد من خبرة الكبار في الشمال، دون أن تضيع مشيتها.

وفي إطار هذا التوجه الحريص على إدماج السينما ضمن مشاريع التنمية في البلدان الفقيرة، إذ لا وقت لدى قرطاج، تضيعه في الانغلاق على الذات ومغازلتها باسم الخصوصية الثقافية ومحدودية الموارد والإمكانيات، فقد انطلقت منذ سنة 2015، منصة “قرطاج للمحترفين”

واستمرت في التطور، آخذة على عاتقها مهمة إقامة علاقة بين صناع الأفلام العرب والأفارقة، واكتشاف المواهب الجديدة من خلال خمسة أقسام هي “قرطاج الرقمية”، “حوارات قرطاج”، “ورشة تكميل”، “ورشة شبكة” و”دروس في السينما“.

سحر الكاميرا

لكي لا تشيخ أيام قرطاج السينمائية وتترهل، فتمسي مثل بعض مهرجانات دول كثيرة في العالم الثالث؛ مجرد مناسبة لتجميع الأفلام وعرضها كيفما اتفق، فقد استحدثت أقسام يسعى القيمون عليها إلى جمع الفنانين والمنتجين وصانعي المحتوى والموزعين والمستثمرين ومسؤولي البرمجة في المهرجانات ورواد التكنولوجيا في مكان واحد من أجل خلق فرص للتشبيك والتمويل والتوزيع، وذلك عبر عدة فعاليات كالموائد المستديرة والندوات المتخصصة وورشات العمل، بإشراف خبراء كبار من الدول الرائدة والمتقدمة في هذا المجال.

هذا المهرجان الذي ولد بعد سنوات قليلة من دولة الاستقلال، وكان قد أسس ومهد الطريق له رجال مسكونون بسحر الكاميرا، عبر نواد وكتابات وهواة، وشغوفين يلتهمون الأفلام القادمة من الغرب التهاما، يجد نفسه اليوم مسؤولا عمن “ورطهم” في عشق السينما، ورباهم في ردهات الصالات، وزوايا المقاهي وهم يتناقشون في “حماس مسعور” فيلما قادما من أقاسي العالم، وكأنما بهم يتناقشون في خبزهم اليومي، ومصير حياتهم التي يخيل لك أنها قد تتوقف لمجرد توقف آلة العرض عن الدوران.

قرطاج يجوب جميع مناطق تونس دون استعلاء، ويزور السجون والإصلاحيات ودور المسنين، في سابقة أدهشت العالم الذي صفق لهذا البلد الصغير الكبير، مثل تفصيل سينمائي في لقطة نادرة من فيلم آسر

هستيريا جماعية تسكن أبناء المؤسس الطاهر شريعة، في كل دورة من دورات المهرجان الذي كان يقام كل سنتين فأصبح كل سنة، بعد أن صار لديه ما يعطيه من جديد، ويفاجئ به رواده ومريديه بعد أن دارت العجلة الإنتاجية، دون تلكؤ، وأصبح قرطاج يجوب جميع مناطق تونس دون استعلاء، ويزور السجون والإصلاحيات ودور المسنين، في سابقة أدهشت العالم، فصفق لهذا البلد الصغير الكبير، مثل تفصيل سينمائي في لقطة نادرة من فيلم آسر.

نعم، لقد صار لدينا مهرجان يحتضن كل أيتام السينما في العالم الفقير ويعرض إنتاجاتهم دون شروط مسبقة، ويستطيع أن يسيّر الشارع التونسي على إيقاعه، فيجعل الناس يضبطون ساعاتهم على مواعيد عروضه.

دخل المهرجان تقاليد الإنسان التونسي، فأصبح يؤرخ للحظاته الحميمة بتاريخ عرض الفيلم الفلاني، أو افتتاح الدورة واختتامها. فهل أصبحت أيام قرطاج السينمائية “كرنفال التونسيين” وإيقاعهم الاحتفالي الصاخب، على غرار ما يحدث في البرازيل؟

صورة العم الطاهر

الصناعة السينمائية في تونس لم تعد تتكل على دعم وزارة الثقافة وباقي جهات الإشراف في المرفق العمومي، فها هو فيلم "دشرة" يخرج إلى الصالات ويحقق أرقام إيرادات غير مسبوقة، بعد أن تجاوز عدد المتفرجين الـ100 ألف في غضون أسبوعين
الصناعة السينمائية في تونس لم تعد تتكل على دعم وزارة الثقافة وباقي جهات الإشراف في المرفق العمومي، فها هو فيلم "دشرة" يخرج إلى الصالات ويحقق أرقام إيرادات غير مسبوقة، بعد أن تجاوز عدد المتفرجين الـ100 ألف في غضون أسبوعين

بشرى سارة أخرى هذا العام تزف إلى الجمهور السينمائي التونسي، إذ بدأت تبرز مؤشرات على أن الصناعة السينمائية في تونس، لم تعد تتكل على دعم وزارة الثقافة وباقي جهات الإشراف في المرفق العمومي، فها هو فيلم “دشرة” يخرج إلى الصالات ويحقق أرقام إيرادات غير مسبوقة مستغنيا عن دعم وزارة الثقافة، فقد نجح المخرج التونسي الشاب عبدالحميد بوشناق في تحقيق رقم قياسي بفيلمه بعد أن تجاوز عدد المتفرجين الـ100 ألف في غضون أسبوعين، وذلك بتحقيقه لأرباح تجارية وتغطيته لتكاليف الإنتاج. وجاء ذلك بفضل تفهم فريق عمله لظروف الإنتاج وصبرهم عليه في أوقات صعبة، مما يشير إلى إرادة جماعية في الإخلاص لروح السينما، ولا شيء غير السينما، والفضل في ذلك يرجع إلى ما أرساه مهرجان قرطاج السينمائي من “وعي نضالي” بأهمية السينما، يصل حد التطوع والمبادرة بل التضحية أحيانا.

اختار قرطاج لنفسه منذ تأسيسه طريقا صعبة ووعرة، لكنها ممتعة ومبهجة، فلم يسقط في المتحفية أو النمطية أو السياحية، تجنب سياسات المجاملة والانحياز، ولم يخلص إلا للمقولة التي انطلق منها: السينما ثم السينما ثم السينما.

كان قرطاج، بالكاد، يجد فيلما تونسيا يستحق المنافسة على التانيت، جائزته التي تحمل اسم الآلهة التي ترمز إلى الحب والخصوبة والتفوق، وها هو اليوم، يرشح لها 3 أفلام بمنتهى الثقة والتحقق من جودتها، وهذه الأفلام هي “نورا تحلم” لهند بوجمعة و”بيك نعيش” لمهدي البرصاوي و”قيرة” للفاضل الجزيري. وفوق ذلك كله، تقيم أيام قرطاج السينمائية في دورتها الأحدث “سينما المهجر” وهو قسم جديد ضمن الفعاليات يُعنى بالإبداعات السينمائية التونسية  بالخارج.. أي أن قرطاج لم ينس رواده ومخلصيه في الداخل والخارج، مثل أب يحنو على جميع أبنائه دون استثناء. ألا تذكرنا الحالة بصورة الأب المؤسس بلحيته الكثيفة البيضاء وملامحه التي تشع حبا واحتفاء بالحياة؟ إنه “عم الطاهر” كما يحلو لجميع السينمائيين التونسيين تلقيبه.

12