أيام قرطاج السينمائية تنأى بنفسها عن الاصطفاف السياسي

أيمن زيدان والمخرج جود سعيد يخوضان رحلة سينمائية خارج واقع الحرب، وفيلم "مسافرو الحرب" فرد مساحة أكبر للتحليق ما بين الواقع والحلم.
الجمعة 2018/11/09
رحلة بين الوهم والحقيقة
 

مازالت الحرب الدائرة في سوريا منذ ما يقارب السبع سنوات، تشغل بال السينمائيين السوريين على صعيد روائي، وخاصة من بقي منهم في الداخل أمثال المخرج باسل الخطيب والمخرج جود سعيد، أما على صعيد وثائقي فإنها الشغل الشاغل للسينمائيين السوريين في الخارج، ربما يكون الطرح بالطريقة التسجيلية هو الأسلم على اعتبار أن الكاميرا تسجل ما تراه، طبعا في حال كان التسجيل عفويا وليس مؤدلجا، ولكن من المؤكد أن القضية السورية مازالت تحتاج للكثير من الوقت قبل أن تنضج وتصبح جاهزة لفيلم روائي.

تونس - رغم وجود العديد من الأفلام السينمائية السورية التي تنتجها المؤسسة العامة للسينما سواء بمفردها أو بشراكة، لا تلقى هذه الأفلام الاستجابة الكافية لعرضها في مهرجانات سينمائية سواء كانت عربية أو أجنبية، بحجة أنها أفلام ذات طابع سياسي، تمول من قبل الحكومة السورية، إلا أن مهرجان قرطاج السينمائي وللعام الثاني على التوالي يستقطب تلك الأفلام، وهو وإن يفعل ذلك فمن منطلق سينمائي بحت بعيدا عن السياسة والانحياز لفريق ضد آخر، وخير دليل على ذلك، أن المهرجان  في دورته الحالية استقطب فيلمين سوريين للمشاركة في المسابقة الرسمية، الأول فيلم لجود سعيد بعنوان “مسافرو الحرب” والفيلم الآخر وثائقي طويل بعنوان “عن الآباء والأبناء” للمخرج  طلال ديركي.

مسافرو الحرب

تدور أحداث فيلم “مسافرو الحرب” الذي أنتجته شركة “الأمير للإنتاج الفني” في باكورة أعمالها، حول بهاء الذي يلعب دوره أيمن زيدان بكل جدارة واقتدار، في رحلة انتقاله من مدينة حلب إلى محافظة أخرى، ولكن هذه الرحلة التي يحاول أن ينقلها لابنته المقيمة في ألمانيا عبر الإنترنت، والتي ستنتهي مجازا بانتهاء الحرب، ما هي إلا أحلام مؤجلة قام بسردها من خيالاته.

حاول المخرج جود سعيد برفقة كل من أيمن زيدان والكاتبة سماح قتال، تطوير فكرة الرحيل هذه، والتي تشبه إلى حد كبير القصص العالمية التي تحكي عن مجموعة أشخاص غرقت سفينتهم أو تاهوا في أرض الله، فاختاروا مكانا صالحا للعيش وبدأوا يمارسون حياتهم فيه، وبطبيعة الحال لا بد من وجود زعيم لهم، كما تفرض الطبيعة البشرية، وهي تيمة قديمة جديدة، حاول الفيلم إضافة بعض المواقف الكوميدية لها، والكثير من الألفاظ الخارجة ولا أعرف السبب، لكن الرحلة في النهاية، أغلقت دائرتها بطريقة أكثر واقعية، حين جعلت كل ما سبق مجرد أوهام أو أحلام مشتهاة.

الأزمنة الصعبة تخلق فنا مختلفا، فالتحديات التي يعيشها الإنسان في الأزمات تستدعي منه استنفار كل طاقاته وإمكانياته

يقول أيمن زيدان بطل الفيلم والمشارك في كتابته “بدأت الفكرة بحوار إنساني عن الحياة، ما الذي يمكن أن نقوله أو نفعله، مؤكدا أن الأزمنة الصعبة تخلق فنا مختلفا، فالتحديات التي يعيشها الإنسان في الأزمات تستدعي منه استنفار كل طاقاته وإمكانياته، والحرب في سوريا أثارت تداعيات موجعة ومؤلمة على العاملين بالسينما، ولكن كل سينمائي تناولها من منظوره، فبعضهم تناولها بشكل مباشر وبعضهم الآخر تناول فقط ارتداداتها، بعضهم قدم أفلاما بشكل انفعالي، وبعضهم الآخر بشكل بحثي في محاولة الإجابة عن بعض الأسئلة، أما فيلم ‘مسافرو الحرب‘ فقد تناول انعكاسات الحرب وتجلياتها، ولكن الإتيان بصورة مكتملة عما حصل ويحصل في سوريا، لا يمكن تحقيقه إلا بعد مضي زمن”.

وعن دوره في الفيلم وتجربة العمل مع جود سعيد كممثل وكمخرج، وأيهما الأصعب بالنسبة إليه؛ أن يتواجد أمام أو خلف الكاميرا، يقول أيمن زيدان “بعد أن أصبحت بهذا العمر، لم يعد بإمكاني أن أشارك بأي عمل فني ما لم يكن ذا قيمه فنية، لأنه لم تعد لدي فسحة واسعة للتجريب والإخفاق، وهي ليست المرة الأولى التي أتعاون فيها مع جود، فقد سبق لي التعاون معه في فيلم ‘درب السماء‘، وهو فيلم تم إنجازه ولكن لم يعرض حتى الآن، بعد ذلك الفيلم شعرت أن لدينا الكثير من النقاط الإنسانية المشتركة، التي دفعتنا لاحقا للوصول إلى سيناريو فيلم مسافر الحرب مع الكاتبة سماح قتال”.

ويتابع زيدان “حين قررت أن أخرج فيلمي ‘أمينة’ الذي لعب جود سعيد فيه دورا رئيسيا، كان الأمر محض صدفة، فرضتها تركيبة عائلة بطلة الفيلم نادين خوري، فتركيبة العائلة ومواصفات الأم والأخت، وخاصة من حيث العيون، جعلت من جود خيارا مناسبا ليلعب الدور. وفي كلا الحالتين سواء كنت ألعب دور الممثل أو المخرج،  فأنا أحترم تقاليد العمل، ومجرد الموافقة على العمل مع مخرج ما، هذا يعني احترافيا أن نحترم طبيعة العلاقة، ولا مجال لإثبات الذات، وخاصة أننا أمام مشروع إنساني ثقافي معرفي، بطبيعة الحال هناك الكثير من الحوارات المطوّلة، لكن القرار الحاسم بعد المداولة يكون للمخرج ويجب احترام هذه القاعدة، وبعد انتهاء التجربة، يكون لديّ قرار آخر؛ هل أكرر التجربة أو لا أكررها”.

فيلم "مسافرو الحرب" تناول انعكاسات الحرب وتجلياتها من خلال قصة حول رحلة تقوم بها مجموعة من الأشخاص

ويرى زيدان أنه بالنهاية لكل مهنة صعوبتها الخاصة بها، ولا يمكن التقليل من مهنة على حساب الأخرى، والمقارنة غالبا ما تكون ظالمة، لكن هذا لا يمنع، في رأيه، أن المسؤولية وراء الكاميرا قد تكون أعقد، لأن المخرج مسؤول عن مشروع كامل، رغم أن مساحة الحرية أكبر، بدءا من اختيار الموضوع وطريقة معالجته، في حين يكون دور الممثل جزءا من المنظومة فقط.

بلا قمع ثقافي

أما جود سعيد مخرج الفيلم الذي منحته الأيام السينمائية في قرطاج فرصة التواجد للمرة الثانية على التوالي ضمن المسابقة الرسمية، في حين تحجبه المهرجانات الأخرى، فإنه يرى أن الأيام تقوم بفعل إنساني سياسي، بحيث تنأى بنفسها عن الاصطفاف السياسي، وممارسة القمع الثقافي في حجب فيلم ما، وتذهب إلى المنتج مباشرة، وتشاهده ثم تقرر إن كان صالحا للعرض على الجمهور في تونس، مضيفا “في أيام قرطاج يتاح لنا أن نشاهد كل وجهات النظر، وعلى الأشخاص الشجعان أن يشاهدوا ما لا يعجبهم أو ما لا يوافقون عليه، وها أنا بدوري أفعلها حين أشاهد الفيلم الوثائقي ‘عن الآباء والأبناء‘، ربما لا أتفق معه سياسيا، وربما أخرج من الفيلم وأنا أحمل انطباعا آخر، يجب أن تكون لدينا القدرة على اللقاء في تلك المساحة التي اسمها السينما، والتي تؤنسن من لديه أحقاد ومشكلات”.

ويختم سعيد “في رأيي إن الحرب في السماء، ورغم أنني تعرضت  لهذا الموضوع في أفلامي الأخرى، إلا أنني في فيلم ‘مسافرو الحرب‘ قد فردت المساحة الأكبر للتحليق ما بين الواقع والحلم، وأن تذهب إلى المشتهى في شخصياتك وخصوصا الشخصية الرئيسية التي سآخذ معها الآخرين في رحلة لا نعرف إلى أين ستصل بهم، في النهاية أتمنى لو نعود ثماني سنوات زمنيا للخلف، وألا يحصل ما حصل في سوريا، واليوم صراحة أي اصطفاف أصبح لا يساوي شيئا، والوحيد الكاسب هو من بقي من الأحياء”.

15