أيام قرطاج الشعرية وإقصاء الشباب

قبل نهاية أيام قرطاج الشعرية بيومين فقط، انتحر نضال الغريبي، وهو شاعر شاب في الثانية والثلاثين من عمره. فعل ذلك بسبب الإقصاء والتهميش وأنانية “الشعراء الكبار”، ونهمهم للمال والشهرة.
الثلاثاء 2018/04/03
الاختيارات الذاتيةّ كانت حاسمة

إلى أيام قرطاج المسرحيّة، وأيام قرطاج السينمائيّة، انضافت أيام قرطاج الشعرية التي انتظمت في الأسبوع الأخير من شهر مارس من هذا العام لتفتتح بها مدينة الثقافة الجديدة برامجها الثقافية. وكان من الطبيعي أن يستبشر المثقفون والشعراء خيرا بهذه الأيام آملين أن تساهم في إشعاع الثقافة التونسية عربيا وعالميا، وأن تقدم لجمهور الشعر وأحبائه ما يبهجهم، ويثبت لهم أن الشعر لا يزال يخفق بـ”إرادة الحياة” في بلاد أبي القاسم الشابي.

لكن حالما تمّ الإعلان عن البرنامج، تهشمت الأماني والأحلام، وتهاطلت الانتقادت غاضبة ساخطة، لتفقد الأيام منذ اليوم الأول رونقها، ولتكون رتيبة، مملة، بمتابعة إعلامية باهتة، وبعزوف عن حضورها من قبل نسبة كبيرة من أحباء الشعر. ولعل ذلك يعود إلى أن هذه الأيام لم تكن مختلفة عن التظاهرات العادية التي تشهدها تونس خلال مواسمها الثقافية.

وكان الشعراء الشبان، وجلهم يكتبون قصيدة النثر، ضحيّة أيام قرطاج الشعرية بامتياز. ففي حين حرم من المشاركة فيها البعض منهم، خصصت لآخرين أمسيات في المدن الداخلية كتب عليها أن تكون فاشلة منذ البداية بسبب غياب الجمهور، والدعاية الإعلامية، وسوء التنظيم.

وقد تمّ إقصاء الشعراء الشبان بطرق مختلفة. فقد تعاملت معهم اللجنة المشرفة على الأيام وكأنهم شعراء من “الدرجة الثانية أو الثالثة” كاشفة بذلك عن جهلها بمواهبهم، واستخفافها بتجاربهم التي لا تخلو من التميز ومن الفرادة. كما تمّ الإقصاء أيضا اعتمادا على أن جل الشعراء الشبان يكتبون قصيدة النثر التي لا يخفي المشرفون على الأيام امتعاضهم منها، ورفضهم لها. وربما لهذا السبب تمّ تغييب أصحابها، ليحفل البرنامج بأسماء شعراء من الجيل القديم، يكتبون قصيدة عمودية جافة وركيكة، ولا حضور لهم في المشهد الشعري التونسي راهنا. وهكذا حرم أحباء الشعر من اكتشاف المواهب الجديدة القادرة على أن تفاجئهم بما يسرهم، ويبهجهم، وتجعل أيام قرطاج الشعرية أكثر تشويقا وبهاء وشبابية.

بالإضافة إلى كل هذا، خلت اللجنة المشرفة على الأيام من أي شاعر من الشعراء الشبان ليكون مرشدا للجنة في اختياراتها، ومساهما في صياغة البرنامج العام. وقد اختارت المشرفة الأولى على الأيام، وهي شاعرة عمودية، أن يكون مساعدها أستاذ جامعيا يدرّس الأدب القديم، ولا دراية له بما يتميز به المشهد الشعري التونسي من تجارب جديدة. كما أنها -أي السيدة المشرفة- خيّرت أن يكون المساهمون في الندوات النقدية أساتذة جامعيين، وجلهم من المتقاعدين المعروفين باجترارهم لنفس التحاليل، ونفس الخطاب النقدي منذ أزيد من ثلاثة عقود. وبذلك غاب الجدل النافع والمفيد عن جل المحاضرات التي جاءت جميعها مجانبة للشعر في مفهومه العميق والجوهري. والأمر الأكثر غرابة هو مساهمة جامعيين في ندوات من دون أن تكون لهم أي صلة بموضوعها. وهذا ما حدث في ندوة الشعر والترجمة، والشعر والفنون الأخرى.

ومرة أخرى كانت المحاباة، والمجاملات، والإخوانيات متحكمة في التنظيم وفي الدعوات. ولم تُخف السيدة المشرفة ذلك. فقد صرّحت خلال الندوة الصحافية التي انعقدت قبيل حفل الافتتاح أن “الاختيارات الذاتيةّ كانت حاسمة”. لذلك لم يغب عن الأيام سواء في الأمسيات الشعرية، أم في الندوات شعراء ونقاد معروفون بعلاقاتهم الوثيقة بها وبمساعدها. ومثلها هم ينتسبون جميعا إلى الجيل القديم. وكذا الأمر بالنسبة إلى الشعراء والنقاد العرب. وهناك من بين هؤلاء من يكونون حاضرين في “كل عيطة وفي كل زيطة”. لذا تجدهم مساهمين في كل الندوات سواء تعلقت بالشعر، أم بالفنون التشكيلية، أم بالرواية، أم بالنقد، أم بمجالات أخرى قد يكونون غريبين عنها تماما.

وقبل نهاية أيام قرطاج الشعرية بيومين فقط، انتحر نضال الغريبي، وهو شاعر شاب في الثانية والثلاثين من عمره. فعل ذلك بسبب الإقصاء والتهميش وأنانية “الشعراء الكبار”، ونهمهم للمال والشهرة. وفي الرسالة الموجعة التي تركها، أوصى عائلته الصغيرة والكبيرة بأن تعلم أطفالها أن “الحب ليس بحرام، وأن الفن ليس بميوعة”. كما أوصاها بأن تعلمهم حب الموسيقى والكتب… سلاما على روحه.

14