أيام قرطاج المسرحية تنهي عصر النص لصالح عصر العرض

المخرج والباحث المسرحي التونسي أنور الشعافي يرصد تطور صناعة الفعل المسرحي منذ الآباء المؤسسين في حضارة الإغريق إلى يومنا هذا خلال فعاليات أيام قرطاج المسرحية.
السبت 2018/12/15
الإخراج "ما بعد الدرامي" يحرر المسرحيين من الحدود والقيود

“مقاربات إخراجية في مسرح ما بعد الدراما” للمخرج والباحث المسرحي التونسي أنور الشعافي، واحدة من سلسلة ندوات فكرية أقامتها أيام قرطاج المسرحية المنعقدة في تونس ما بين 8 و16 ديسمبر الجاري، وفيها يقدم الشعافي مسحا لتطور الفعل الإخراجي وكيفية التعامل مع النص المسرحي.

تونس - يرصد المخرج والباحث المسرحي التونسي أنور الشعافي، في الورقة التي قدمها في إحدى الندوات التي تضمنتها فعاليات أيام قرطاج المسرحية في دورتها العشرين، تطور صناعة الفعل المسرحي منذ الآباء المؤسسين في حضارة الإغريق إلى يومنا هذا، وذلك للوقوف عند ما بات يُعرف اليوم بالمخرج “ما بعد الدرامي”، حيث تؤول السلطة المطلقة إلى العرض المسرحي متجاوزة سطوة النص المكتوب.

وكان الكاتب المسرحي هو سيد العرض وقائده، يكتب نصه ويتصور فضاءه الركحي ويختار ممثليه ويوجههم، هكذا كان يفعل إشيل وسوفوكلس ويوريبيد وأرستوفان وسينيك وشكسبير ثم مع الكلاسيكية الفرنسية الجديدة كما هو الحال لدى موليير وكورناي وراسين.

وفي العصور الحديثة ظهر الإخراج المسرحي وأصبح اختصاصا قائم الذات، إلاّ أنه ظل تابعا وقارئا ثانيا لسيد المسرح ألا وهو الكاتب، حتى أن الإخراج ظل يعرف إلى عهد قريب بأنه تحويل النص المكتوب إلى نص مرئي، أو أنه باعث للحياة في النص.

وكان المخرج راضيا بكونه مبدعا من الدرجة الثانية وخادما مطيعا منفذا للمبدع الأساسي حتى بدأ المخرج يتململ من هذه الوضعية فتعالت الأصوات الداعية إلى إرجاع الكاتب إلى حجمه الطبيعي، وأن نصه ليس سوى جزء من الكل وأن هذا الجزء لا يصنع العرض لوحده، بل لعل النص الذي يبدعه الكاتب وهو جالس في مكتبه، يفتقد أحيانا إلى روح هذا الفن القائم على اللحظة وآنية البث والتلقي، فكفّ المخرجون في البداية عن اعتبار النص مقدسا وأصبح يخضع للحذف والتعديل والإضافة والتطويع للرؤية الإخراجية وظروف الإنتاج والمساحات الأدائية للممثلين ثم انتقل بعض المخرجين إلى مرحلة ما يعرف بـ”الكتابة الركحية”.

ويتساءل الباحث والأكاديمي التونسي بقوله “إن المخرج الدرامي، سواء انطلق من نص جاهز أو كتب نصه ركحيا، يبقى مخرجا دراميا بأدواته ومعارفه الدرامية التي ظل المخرجون المسرحيون يتناقلونها منذ القدم، وإن اختلفت جمالياتهم، فهل يكون من الضروري والحتمي أن نبحث عن ملامح جديدة للمخرج الما بعد درامي؟”.

إن المخرج الدرامي الواقع تحت سلطة النص هو أيضا رهين بقية المتدخلين في العملية الإخراجية -وإن كان يقودهم- لكن لم يكن مطلوبا منه أن يكون مختصا في بقية مفردات العرض المسرحي، بل هو يشرح لهم رؤيته ثم يناقش مقترحاتهم، فهو بذلك يقوم بدور المنسق العام لكل هؤلاء المتدخلين.

أنور الشعافي: هل من الضروري أن نبحث عن ملامح جديدة للمخرج ما بعد الدرامي
أنور الشعافي: هل من الضروري أن نبحث عن ملامح جديدة للمخرج ما بعد الدرامي

لكن المخرج الما بعد درامي بصفته صانعا للعرض ومغيّبا للكاتب ومخاطبا للعين، فإن ما يعنيه ويهمّه ويضعه في موقع الصدارة هو الجانب المشهدي، لذلك يعتقد الشعافي، أن المخرج الما بعد الدرامي، يجب أن يكون متمكنا من أدواته المشهدية حتى يكون واعيا بمساحاتها وآفاقها الممكنة في صنع المشهد، ففي الإضاءة مثلا يجب أن يكون عارفا بكل أنواع الكشافات الضوئية (البروجكترات) حتى يمكنه ذلك من اقتراح الأنواع القادرة من الناحية التقنية على إيصال مشهديته كما تصورها في البداية، وكذلك الشأن في المرشحات الضوئية (الفيلترات)، فلا بد من التمكن من كل الدرجات الضوئية الممكنة لهذه المرشحات حتى يعتمد الدرجة الملائمة لهذا المشهد أو ذاك، كما يجب أن يكون مواكبا للتقنيات الوسائطية حتى يستطيع إدراجها واستعمال ما تتيحه في إثراء العرض، فتفتح آفاقا أرحب تضاف إلى لغة المسرح.

وعلى المخرج “الما بعد الدرامي” أن يعتمد بناء مخالفا للعرض المسرحي التقليدي القائم على التراكم والترابط والتواصل بالاعتماد على التشظي والتفكيك والمونتاج.

واستند الباحث أنور الشعافي في بحثه، للاستدلال على “الإخراج الما بعد الدرامي”، إلى تجربتين له في الإخراج هما مسرحيتا “ترى ما رأيت” و”أو لا تكون”.

وأخرج الأولى سنة 2011 وقد انطلق في بناء العرض من أربعة دواوين للشاعر التونسي المقيم في باريس كمال بوعجيلة، صدرت في فترات متباعدة ثم استنادا إلى حدث وقع إثر 14 يناير 2011 المتمثل في طوفان الهجرة السرية في هذه الفترة، وأخضع المخرج الممثلين إلى دورة تدريبية طويلة في الرقص المسرحي عبر تمارين موجهة انطلاقا من هذا الحادث بمصاحبة صوتيه لنصوص شعرية بصوت الشاعر.

وهذه النصوص تتغيّر مع تقدم التمارين حتى اتضحت الملامح الأولى لمسارات العرض التي دفعت إلى البحث عن مشهدية أكثر شمولية من تلك القائمة على مبدأ “الآن وهنا”.

أما في التجربة الثانية، وهي مسرحية “أو لا تكون” فقد قام الشعافي بتركيب أربعة مقاطع من أربع مسرحيات شكسبيرية هي: “هاملت”، “عطيل”، “الملك لير” و”روميو وجولييت”، واعتمد إحدى تقنيات السرك الفني في أداء عمودي واع لا ينشد مجرد الاستعراض المجاني.

ويختتم الأكاديمي والمخرج التونسي أنور الشعافي، مداخلته في الندوة المرافقة لمهرجان قرطاج المسرحي، بالتنبيه إلى أن المسرح “ما بعد الدرامي” لا يتأسس على فراغ، فمن الضروري أن يكون الممارس لهذا المسرح قد تشبّع ومارس المسرح الدرامي حتى يتمكن -معرفيا- من تجاوزه، حتى لا يصبح الما بعد درامي متاحا لأي كان قد يقدم مسرحا غير واع بأدواته باسم “الما بعد درامية”.

ومكّن المسرح “الما بعد درامي” المسرح التقليدي من فتح آفاق جديدة منفتحة على فنون أخرى تحرّر المسرحيين من جميع الحدود والقيود، ويبقى السؤال مطروحا حول البوصلة النقدية التي سترافق هذه الفتوحات الإبداعية، حيث من الإجحاف تناول أعمال من هذا الصنف بأدوات ومعايير نقدية كلاسيكية، كذلك الأمر بالنسبة للمسابقات المسرحية، فلا بد من تحيين مقاييس التقييم وملاءمتها مع الخصائص المختلفة لهذا المسرح المختلف.

13