أيام قرطاج تستلهم حنين الماضي لتعيش الحاضر

تونس تستعيد ذاكرتها السينمائية عبر عرض الأفلام العربية والأفريقية المتوّجة بالتانيت الذهبي لأيام قرطاج منذ التأسيس في العام 1966.
الثلاثاء 2020/12/22
فيلم "نورا تحلم" لهند بوجمعة آخر فيلم توّج بذهبية المهرجان

في ظل وضع صحي استثنائي انطلقت، مساء الجمعة، بتونس فعاليات الدورة الحادية والثلاثين من مهرجان أيام قرطاج السينمائية، دورة أكّد القائمون عليها أنها أتت متحدية للوباء ومنتصرة للحياة، تقلّصت فيها أعداد الأفلام المشاركة وكذلك نسبة المشاركين، لكن نبض السينما ظل حيا، ولو عبر عرض مجموعة من الأفلام العربية والأفريقية، وخاصة التونسية التي توّجت بالتانيت الذهبي للمهرجان على مدار دوراته الثلاثين الماضية.

تونس- في دورة استثنائية تغيب عنها المسابقات والجوائز وتقلص فيها عدد الأفلام المشاركة وكذلك الدول المُستضافة في المهرجان السينمائي الأفريقي العربي الأعرق عربيا وأفريقيا، اختارت إدارة مهرجان أيام قرطاج السينمائية في دورتها الحادية والثلاثين التي تنتهي فعالياتها، الأربعاء، الاحتفاء بالذاكرة السينمائية، عبر دورة حملت شعار “الحنين”.

دورة قال عنها إبراهيم اللطيف المدير الفني للمهرجان “أردناها أن تكون متوائمة مع الوضع الصحي العالمي الذي فرض علينا خيارين إما الإلغاء التام أو التأجيل، وإعادة التأجيل في كل مرة، لكننا اخترنا الحل الأصعب، وهو الإبقاء على الدورة ولو بتقليص عدد الأفلام والمشاركين فيها، وارتأينا إمتاع عشاق السينما بعروض خاصة، في نوع من الحنين إلى الأفلام الخالدة التي طبعت تاريخ المهرجان سواء تلك التي اعتلت منصة التتويج أو التي حقّقت التميّز والشهرة”.

هند صبري توّجت بجائزة أفضل ممثلة للمهرجان  في مناسبتين، كانت الأولى  في 1994 والثانية في 2019
هند صبري توّجت بجائزة أفضل ممثلة للمهرجان في مناسبتين، كانت الأولى في 1994 والثانية في 2019

وضمن هذا الخيار، تحضر في النسخة الحادية والثلاثين من مهرجان أيام قرطاج السينمائية التي تنهي فعالياتها، الأربعاء، إلى جانب بعض الأفلام الجديدة التي تعرض للمرة الأولى على الشاشات التونسية كفيلم “الرجل الذي باع ظهره” للتونسية لكوثر بن هنية و”200 متر” للفلسطيني أمين نايفة و”ليلة الملوك” لفيليب لاكوت من ساحل العاج، العديد من الأفلام العربية والأفريقية المتوجة بالتانيت الذهبي للأيام منذ التأسيس في العام 1966 وحتى الدورة الثلاثين المنعقدة في العام الماضي.

ويعدّ فيلم “السفراء” للمخرج محمد الناصر القطاري أول فيلم يهدي تونس التانيت الذهبي لأيام قرطاج السينمائية في العام 1976، أي بعد عشرية من انطلاق المهرجان الذي تأسّس في العام 1966، وتطرّق الفيلم عصرئذ إلى ظاهرة الميز العنصري التي كان يتعرّض لها العمّال الأفارقة والعرب في أوروبا.

تسعة تتويجات

حصدت تونس بعد أول تتويج لها بالتانيت الذهبي على ثمانية أُخرى، وهي تباعا: “عزيزة” لعبداللطيف بن عمار في العام 1980، و”ريح السد” للنوري بوزيد في العام 1986، وهو الوحيد من التونسيين الذي تحصّل على التانيت الذهبي في مناسبتين، وكان الثاني له في العام 2006 عن فيلمه “آخر فيلم”، كما تحصل فريد بوغدير على أرفع جوائز المهرجان في العام 1990 عن فيلمه “عصفور سطح” أو “حلفاوين”.

وفي العام 1994 تمكنّت المخرجة التونسية مفيدة التلاتلي من أن تكون أول مخرجة في العالم العربي وأفريقيا تتوّج بالتانيت الذهبي لقرطاج السينمائي عبر فيلمها “صمت القصور”، لتلتحق بها بعد أزيد من عقدين كوثر بن هنية التي تحصلت في العام 2016 على التانيت الذهبي للأيام، وذلك عن فيلمها الوثائقي الطويل “زينب تكره الثلج”.

التانيت الذهبي للأيام ذهب إلى تونس في تسع مناسبات، كانت أولاها في العام 1976 عبر فيلم “السفراء” لمحمد ناصر القطاري
التانيت الذهبي للأيام ذهب إلى تونس في تسع مناسبات، كانت أولاها في العام 1976 عبر فيلم “السفراء” لمحمد ناصر القطاري

وفي العام 2018، توّجت تونس بتانيتها الذهبي الثامن عبر فيلم “فتوى” لمحمود بن محمود، وللسنة الثانية على التوالي توّجت تونس في 2019 بتانيت المهرجان الذي ذهب إلى فيلم “نورا تحلم” لهند بوجمعة التي باتت ثالث امرأة تتوّج بذهبية الأيام.

كما توّجت بطلة الفيلم هند صبري بجائزة أفضل ممثلة في المهرجان عن دورها في الفيلم ذاته، وذلك بعد أن سبق لها أن توّجت قبل ربع قرن بذهبية الأيام كأفضل ممثلة عن دور “عليا” في “صمت القصور” في أول ظهور سينمائي لها.

وجميع هذه الأفلام التونسية المتوّجة وغيرها من الأفلام التي ظلت راسخة في ذاكرة أحباء السينما ومريدي المهرجان، كفيلم “عرب” للفاضل الجعايبي والفاضل الجزيري (1988)، و”عرائس الطين” للنوري بوزيد (2002)، و”السيدة” لمحمد الزرن (1996) و”نغم الناعورة” لعبداللطيف بن عمار (2002)، سيتم عرضها تباعا على مدار الأيام الستة للمهرجان.

تميّز وفرادة

حقّقت تونس على مدار تاريخها السينمائي القصير نسبيا، العديد من النجاحات على المستويين العربي والدولي، الأمر الذي جعل مهرجان دبي السينمائي الدولي في العام 2013، يقدّم قائمة مرجعية لأفضل مئة فيلم عربي، كان نصيب تونس منها تسعة أفلام، جاء على رأسها الفيلم الشهير “صمت القصور” لمفيدة التلاتلي، الذي احتل المرتبة الخامسة ضمن الأفضل عربيا.

والفيلم الذي أخرجته التلاتلي في العام 1994 عن سيناريو مشترك بينها وبين النوري بوزيد مدرج ضمن قائمة عروض المهرجان في نسخته الحالية، وهو من بطولة هند صبري، وآمال الهذيلي وناجية الورغي وهشام رستم وكمال الفازع وسامي بوعجيلة وآخرين.

إبراهيم اللطيف: على امتداد الدورة نعرض أبرز الأفلام المتوجة في المهرجان أو تلك التي حقّقت الشهرة والتميّز
إبراهيم اللطيف: على امتداد الدورة نعرض أبرز الأفلام المتوجة في المهرجان أو تلك التي حقّقت الشهرة والتميّز

ويسرد الروائي الطويل قصة الشابة عليا المغنية الحامل التي يطلب منها حبيبها الإجهاض، وفي الأثناء تعلم الفتاة بنبأ وفاة سيدها السابق، الأمير علي، مالك القصر الكبير التي نشأت فيه، فتعود لتعزية عائلته.

وبعودتها إلى القصر تباغتها الذكريات، فتستعيد آلام أمّها التي كانت إحدى الخادمات فيه، بل وأكثر من ذلك فقد كانت الطباخة والراقصة والعشيقة.. وبشاعرية سينمائية تتسارع الذكريات في عقل عليا، فتتذكّر طفولتها وحيرتها وهي التي ولدت من أب مجهول الهوية في ذاك القصر المليء بالأسرار.

وغير بعيد عن أسرار الأبواب المغلقة وما تخفيه وراءها من حيوات إنسانية مسحوقة، يحضر من ضمن عروض النوستالجيا في المهرجان فيلم “عصفور سطح” الذي احتل بدوره المرتبة الثانية عشرة في المكتبة السينمائية العربية، المشار إليها آنفا، وهو المتوّج بتانيت قرطاج الذهبي لعام 1990، عن إخراج لفريد بوغدير وبطولة كل من مصطفى العدواني وربيعة بن عبدالله وهيلين كاتزراس وفاطمة بن سعيدان ومحمد إدريس والطفل سليم بوغدير.

وفيه يتبع بوغدير النهج الواقعي في عرض أدق تفاصيل إحدى عينات المجتمع التونسي، مقتحما حياة “نورا” الصبي الذي ينتقل من مرحلة المراهقة إلى الرجولة، ليستعرض من خلاله يوميات الحي الشعبي التونسي، الحلفاوين، الذي يقضي فيه المراهق وقته في تجربة كل شيء، الجنس والدين والسياسة.

فيلم "فتوى" لمحمود بن محمود حصد بدوره في العام 2018 التانيت الذهبي للمهرجان
فيلم "فتوى" لمحمود بن محمود حصد بدوره في العام 2018 التانيت الذهبي للمهرجان

وبكتابة سينمائية تجمع بين الكوميديا والتراجيديا، يتطرّق الفيلم إلى تناقضات المجتمع التونسي الذي يستبيح أشياء في السرّ وينكرها في العلن، خاصة متى تعلّق الأمر بالجنس، فالأب (أدى الدور الممثل الراحل مصطفى العدواني) يستبيح أعراض نساء السوق، وينكر على زوجته حتى حق الخروج إلى الشارع بمفردها، كما يكون صارما وحادا مع كل أهل بيته من السيدات خاصة وليّنا ومطواعا مع أصدقائه من الذكور، في تجسيد صارخ لسطوة المجتمع البطرياركي.

كما يُظهر الروائي الطويل عبر عيني “نورا” المتلصّصة على كل ممنوع مرغوب، مدى القمع السياسي الذي كان يحكم تونس، فالفنان مراقب من قبل البوليس في حركاته وسكناته، و”البلطجي” هو أيضا بوليس سري، يشي بكل من يستفزّه فيكون مصيره السجن.

والمرأة في الفيلم، مثلها مثل كل نساء الفيلم، مقموعة مضطهدة من قبل الرجل، وإن بَدَت على غير هذا الشكل في ادعاء للتحرّر المكذوب، كل غايتها الفوز بعريس كلّفها ذلك ما كلّفها، وما إعلان عمة نورا القبيحة في آخر الفيلم تمرّدها على إملاءات أخيها، رب العائلة، إلاّ تمهيدا لهذا الطموح المقترن ضرورة بحاجة جنسية دفينة.

والمشاهد لفيلم “حلفاوين” بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على إنتاجه، يكتشف بشيء من الارتداد حجم التناقضات الحاصلة في المجتمع التونسي ووقع القمع الذي كان مسلّطا عليه، أينما اتجه، وهو في بيته، وهو في زقاقه، وهو في حيه، وبين أصدقائه وأهله وعشيرته، فلا أمان ولا اطمئنان وسط مجتمع واش، ما مكّن ساسة تونس من السيطرة على البلد بقبضة من حديد، لكن “نورا” الذي يتحرّر في آخر الفيلم من سطوة أبيه، جاء نموذجا للجيل الجديد من الشباب التونسي الذي تمكّن من كسر أغلال القمع بكل أشكاله العائلية والاجتماعية، ليحقّق ذاته، كما حقّق شباب تونس، بعد عقود من إنتاج الفيلم ثورته غير المكتملة إلى الآن.

عن الثورة وهناتها

"عصفور سطح" طفل يتلصّص على عالم الكبار وتعقيداته
"عصفور سطح" طفل يتلصّص على عالم الكبار وتعقيداته

هذه الثورة غير المكتملة تتجسّد في فيلم “فتوى” لمحمود بن محمود الذي حصد بدوره في العام 2018 التانيت الذهبي للمهرجان، وهو من بطولة أحمد الحفيان وغالية بن علي وسارة حناشي ورمزي عزيز ومحمد ساسي وآخرين.

ويروي الفيلم الذي دارت أحداثه في العام 2013 قصة إبراهيم، وهو مواطن تونسي مقيم في فرنسا، يعود إلى بلده لدفن ابنه مروان المتوفى في حادث دراجة نارية والذي تبدو له ملابسات وفاته غامضة، حيث يقرّر الغوص في السنوات الثلاث الأخيرة من حياته ليكتشف أن ابنه كان ينتمي إلى جماعة إسلامية متشدّدة.

وبعد استجوابه لزوجته السابقة البرلمانية والمناضلة ضد التطرّف الديني في تونس، يكتشف إبراهيم أنه تم الحكم عليها بالإعدام من قبل هذه الجماعة بعد صدور كتابها، وأن ابنهما قد هدّدها قبل مغادرته البيت الأسري.

المُشاهد لفيلم "حلفاوين" بعد عقود من إنتاجه، يكتشف بشيء من الارتداد حجم التناقضات الحاصلة في المجتمع التونسي

ويشكّك إبراهيم في التقرير الخاص بوفاة ابنه الذي كان طالبا بمدرسة الفنون الجميلة وفي تجنيده من قبل الجماعة المتطرفة. ويحاول المخرج من هذا المنظور إبراز قوة التجنيد والتلقين العقائدي الذي يدفع بفنان شاب إلى التطرف العنيف.

وهكذا تم تحويل الثورة التونسية المحلوم بها من قبل شباب أريقت دماؤهم في سبيل تحقيق “العدالة والحرية والكرامة الوطنية”، كما أتت بها شعارات ثورة 14 يناير 2011، إلى تقسيم للتونسيين بين كافر ومسلم، علماني وإخواني، ثوري وخانع حتى داخل البيت الواحد.

"فتوى" شهادة سينمائية على ما لحق تونس من تفكّك اجتماعي بعد الثورة
"فتوى" شهادة سينمائية على ما لحق تونس من تفكّك اجتماعي بعد الثورة

هي ثورة مكذوبة إذن، وثّقها بن محمود في فيلمه الروائي الطويل لتكون شهادة سينمائية على سنوات الدم والرصاص التي جعلت البلد يرزح تحت أعنف أزمة اقتصادية واجتماعية مرّ بها منذ استقلاله في العام 1956.

هكذا أتت دورة أيام قرطاج السينمائية لهذا العام بشكل استثنائي تماشيا مع الوضع الاستثنائي الذي فرضته الجائحة، فانتصرت كعهدها للأفلام الجادة والمقاومة للجهل والتعصب والخنوع للعدم، سواء من خلال استعادة أفضل الأفلام المتوجة، فحقّقت متعة التذكّر لجمهورها الوفي، أو بما جادت به روعة الاكتشاف لمن فاتته عروض هذه الأفلام النوعية.

16