أية إستراتيجية لمواجهة داعش

الاثنين 2014/09/08

في واشنطن، يمكنك العثور على أطنان من المواد الصحفية والدراسات التي تنتقد إدارة الرئيس باراك أوباما في تعاطيه الحذر مع ملف “الدولة الإسلامية”، لكنها انتقادات توازي في حجمها وأهميتها الإشادات التي تحظى بها سياسته “المتحفظة”.

وفيما تركز الانتقادات على عدم وجود رؤية واضحة للإدارة الأميركية، يعتقد البعض أن التحفظ الشديد، والعمل على مستويات أعمق للأزمة ينم عن رؤية سياسية أيضاً، بل عن الرؤية الأفضل في التعاطي مع أزمة حادة ومركبة كالأزمة العراقية- السورية. فما هي رؤية الإدارة الأميركية؟.

بمتابعة دقيقة لتحركات واشنطن يتضح أن إستراتيجيتها تنقسم إلى مستويين اثنين، الأول آني يمكن العمل عليه بسرعة نسبياً، فيما يحتاج المستوى الثاني، البعيد المدى، إلى وقتٍ وعملٍ كبيرين لإتمامه.

يتضمن المستوى الآني تشكيل تحالف دولي- إقليمي لمواجهة “الإرهاب”، والمقصود هنا بشكل حصري تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا. وقد قطعت إدارة اوباما شوطاً في هذا السياق، إذ تبدي دولة بعد أخرى رغبتها في دخول هذا التحالف. بل أن دولا أوروبية عديدة قد دخلته بالفعل وباشرت، أو أبدت استعدادها، تزويد الأسلحة للقوات الكردية التي تواجه داعش.

فيما تناقش بريطانيا إمكانية المشاركة في شن غارات عسكرية على مواقع التنظيم في العراق، ما يشير إلى أن التحالف الدولي يسير بخطى ثابتة، وهو قد تشكل بصورة أو بأخرى، ويبقى فقط وضع آليات عمله في مؤتمر دولي من المتوقع عقده خلال الشهر الحالي لإضفاء نوع من المصداقية على أي تحرك عسكري ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”.

وتندرج الضربات العسكرية الجوية على مواقع داعش في سياق المستوى الآني أيضاً، بحيث يجري كبح تقدم التنظيم، في مقابل إعطاء أفضلية للجيش العراقي والمليشيات المذهبية المساندة له. وأخيراً تأتي عملية الدفع من أجل الإسراع في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية في العراق بحيث تضم جميع المكونات السياسية.

أما المستوى الثاني، فيتضمن أهدافاُ بعيدة المدى، يبدو أن واشنطن لا تملك خططاً ناجزه حتى الآن للشروع في تحقيقها، وقد بدا ذلك واضحاً في اعتراف أوباما، الذي أثار عاصفة من الانتقادات، بعدم وجود “إستراتيجية” لمواجهة داعش. ومهما كانت حدة الانتقادات لأوباما بسبب تحفظه في جميع المسائل الحاسمة على المستوى الدولي، لكن تحفظه ذاك يلقى أيضا تأييدا كبيراً كما ذكرنا، ضمن قطاعات واسعة من السياسيين ومراكز رسم السياسات في الولايات المتحدة.

إذ يبرز رأي على نطاق واسع يقول بأنّ تحركا عسكريا واسعا ضد داعش سيكون بمثابة “منحذر زلق” نحو المستنقع العراقي من جديد. ويعتبر هذا الرأي أن “الحل العسكري” للمأزق العراقي ليس أكثر من خيار انفعالي يفتقد حسن التقدير على المدى الأبعد. وينادي تالياً بالعمل على أهداف أكثر عمقاً تأخذ بالحسبان جذور الأزمة، ومشاكل المجتمعات المحلية في العراق وسوريا.

في قضية جذور الأزمة في العراق، تطفو على السطح مسألة الغزو الأميركي في العام 2003 الذي أطاح بالنظام العراقي وفكك الجيش وأرسل ضباطه العسكريين، وجزء كبير منهم هم من السنة، إلى بيوتهم في أحسن الأحوال، وإلى المعتقلات وأقبية التعذيب في معظم الحالات. وتلا ذلك استلام المليشيات العراقية الشيعية لزمام الأمور في بغداد، حيث ارتكبت فظائع وحشية ضد ما اعتبرته الحاضنة الشعبية للنظام السابق، وهي في عرفها المجتمعات السنية. وأدى كل ذلك في نهاية المطاف إلى الثورة الشعبية ضد نظام نوري المالكي.

الأهم أن تلك السياسة أدت إلى تشكل بيئة حاضنة لتنظيم القاعدة، حيث يخشى العراقيون في تلك المجتمعات المليشيات العراقية الوحشية بصورة أكبر من خشيتهم، الموجودة فعلاً، لتنظيم الدولة الإسلامية. في واقع الأمر، ربما تكون الضربات العسكرية الأميركية الأخيرة لمواقع التنظيم، والتي دعمت بصورة أو بأخرى المليشيات العراقية الشيعية، قد زادت من التفاف شرائح كبيرة من العراقيين حول تنظيم الدولة الإسلامية، لتتحقق نبوءة البعض في أن الحل العسكري هو حل أرعن سيفاقم الأزمة .

في هذا السياق، يتوجب على الولايات المتحدة السعي لتحقيق أمرين اثنين في إستراتيجية على المدى الأبعد. يتعلق الأول في استرضاء المجتمعات الثائرة التي تعرضت لعملية إبادة ممنهجة في سوريا والعراق، بحيث باتت تشكل حاضنة واسعة وحاسمة لنمو تنظيم الدولة الإسلامية، وثباته ضد الضربات الجوية مهما اشتدت وطأتها. فهو لم يعد تنظيماً نخبوياً كما كان في عهد أسامة بن لادن، بل بات يضم في صفوفه عشرات آلاف المقاتلين، والرقم ينمو بصورة سريعة جداً. وسيكون استرضاء تلك الجماعات الأهلية بإيجاد أرضية سياسية مختلفة جذريا عن تلك القائمة حاليا. وفي هذا السياق لن تكون التغييرات المتواضعة في حكومة الوحدة الوطنية المزمع تشكيلها في العراق كافية . وكذلك الأمر في سوريا، إذ يتوجب في كلا البلدين صياغة نظام سياسي ديمقراطي جديد يكون للمجتمعات الأهلية الثائرة دوراً مركزياً في إدارته.


كاتب فلسطيني سوري

7