أية ثقافة يريدون

السبت 2014/03/22

نعيب على القوى الظلامية، ممارساتها القمعية في إلغاء الآخر الحداثي والعصري، ونختلف معها جذريًّا في ممارستها للعنف والإرهاب من أجل فرض فكرها الظلامي، مستغلة بذلك الدين، الذي صارت -هذه القوى- ترتكب باسمه الجرائم، وتجرّ المجتمعات الّتي تستولي عليها.

ولا نحسب الخطوات التي أقدمت عليها السلطات الثقافية السعودية، القاضية بمنع مئات عناوين الكتب من المشاركة في معرض الرياض للكتاب بذريعة مخالفتها للمفاهيم الدينية والسياسية والفكرية السّائدة في المملكة، إلاّ واحدة من ضمن تلك الممارسات الّتي لا تريد الإعتراف بفكر الآخر. بل نرى أنّ هذه الخطوات أخطر من غيرها، لأنّها تسري تحت مظلة قانون، في دولة ذات سيادة، وتقيم علاقات تحالفيّة مع أكبر دولة عصريّة تعتبر الدّفاع عن الحريّة والديمقراطية قضيّتها الاولى.

ما أقدمت عليه السلطات الثقافية السعودية يعتبر خطوة إلى الوراء. خبطٌ في الظلام، يُضاف إلى سجلها الّذي وإن بدأ مع منع المرأة من قيادة السيارة، فإنّه لن ينتهي إلى منع كتب فكريّة ودواوين شعرية لرواد محسوبين على الحداثة العربيّة.

والتركيز على بعض الألفاظ في قصائد محمود درويش، لإعلان زندقته، ما هو إلاّ عين الزندقة التي لا ترى أنّ شعر درويش يحمل القضية الفلسطينية بكل أبعادها السياسية والإنسانية.

إنّ كميات الكتب التي منعت في معرض الرّياض، وتلك التي مُنعت من الدخول سلفا إلى المملكة، تعتبر بمثابة مجزرة ثقافية ضحيّتها الفكر التنويري والنهضوي المتجدد، والذي يساير روح العصر. وكأنّي برجال الشرطة الدينية، الذين جالوا بشكل مكثّف في أروقة المعرض، يريدون أن يُحيُوا عصر محاكم التفتيش سيئة الصيت التي أسّستها الكنيسة الكاثوليكية ونشطت في القرنين 16 و17 في محاربة أيّ فكر جديد لا يتوافق مع الكنيسة، ونعتته بالهرطقة. وفي وقت من الأوقات اُستعملت هذه المحاكم كأداة سياسية لملاحقة المعارضين.

فأيّة ثقافة، وأيّ فكر تريده المملكة، وسُلطاتها تُكمّم الأفواه، وتقف بالمرصاد لحرية التّعبير، وتُحاكم المدوّنين المعارضين داخل بلادها؟ في الوقت الّذي تقف فيه المملكة في صفّ القوى الدّاعية للحرية والديمقراطية في دول عربيّة أخرى.

هذه الازدواجية في تكييل المعايير لا تبدو مقنعة، وليست هي الطريق إلى ثقافة ترفع من شأن المجتمع السّعودي إلى مثال عصري، يمكن أن تتباهى به المملكة، مثل تباهيها بمشاريع الشّوارع والعمران الشّاهق. ثم يتحدثون في المملكة عن ثقافة سائدة، أيّة ثقافة؟!


كاتب وشاعر فلسطيني

17