أيديولوجيات سوداء وتدمير استباقي لاستدعاء المخلص

الثلاثاء 2016/01/12

تعتبر عقيدة انتظار المخلّص من المعتقدات القديمة لدى البشر، إذ تتجسد في رمز ينشر العدل ويستقطب أحلام الناس في الانعتاق من الظلم والاستبداد، فكان النيل وتموز وراما كريشنا وبوذا وزاردشت، قد شكلت في الأديان السماوية مفصلا هاما في انتظار تحول جذري ينتقل فيه العالم من وضع قائم يتسم بالظلم والفساد، إلى وضع تسوده العدالة والسلام.

استمرت هذه العقيدة وباتت محط اهتمام الاستراتيجيين والسياسيين مع ما يحدث في المنطقة العربية التي شكلت بالنسبة إلى الأديان السماوية مركزا لعودة المخلّص أو المهدي. ورغم تعدد الأسباب في ما تعيشه المنطقة من إيقاع العنف والظلم، فإن البعد العقائدي لا يمكن تجاهله فهو يشكل محركا خفيا للكثير من أحداثنا، إذ يتم الاستناد عليه في ما يتم تفصيله من معطيات تشبه، بشكل أو بآخر، ما قيل عن نبوءات نهاية الزمن وحرب الخير والشر والتي تم توظيفها سياسيا واستراتيجياً لدى ثلاثة أطراف متنازعة تسعى لتغيير الخرائط بما يناسبها خصوصاً في ما يسمى بلاد الشام التي تشكل بوابة الصراع الكبير.

من المستغرب أن بداية التوظيف لهذه النبوءات كانت في الغرب العلماني الذي ساهم في قيام الكيان الصهيوني كوعد إلهي للنبي إبراهيم في أرض فلسطين التي ستكون حسب التوراة هي المهد لقيام معركة اليوم العظيم أو “هرمجدون، تل مجدو”، وظهور أو عودة المسيح المخلّص، والتي شكلت نقطة الالتقاء بين التوراة والإنجيل، والتي بشّر بها “إنجيل متى، وفي رؤيا يوحنا والتي تبنت حتميتها طائفة الإنجيليين الجدد أو البروتستانت، إذ لم تبق هذه الفكرة حكرا على قساوسة الدين إنما شملت العديد من سياسييهم الذين استعدّوا لخوضها في الشرق الأوسط وجرى التمهيد لها عبر تحديد الأعداء والتجهيز لقتالهم، فبشّر رونالد ريغان عام 1980 “إننا قد نكون من الجيل الذي سيشهد معركة هرمجدون”، واستخدمها جورج بوش في حربه على العراق للقضاء على “يأجوج ومأجوج”، وفي التصعيد بين أميركا وإيران نحو حرب نووية مثّلت بالنسبة للطرفين جزءا من معركة النهاية التي تمهد لقدوم المسيح والمهدي المنتظر.

رغم أن ظهور المهدي من اليقينيات المقدسة للسنة والشيعة، إلا أنه اتخذ صيغة إلزامية لدى الأغلبية الشيعية، ومثّلت حتمية المعركة المقدسة أساسا استراتيجيا نتيجة المزج بين الديني والسياسي الذي قامت عليه الدولة الإسلامية الإيرانية الساعية لإيقاد نار هذه الحرب استعجالا لظهور المهدي عبر التعبئة المذهبية وانتشار الميليشيات الشيعية في العديد من المناطق، وباستغلالها تداعيات الاحتلال الأميركي للعراق، وتدخلها في الوضع السوري الذي شكل دائرة من الصراع الطائفي والعرقي، التي تبدو لإيران كهدف يمهّد لحقبة الظلام والحرب الكبرى فالمهدي، محمد بن الحسن العسكري، الذي يعقدون الآمال عليه للانتقام من “خصومهم”، لن يعود إلا بعد أن ينتشر في الأرض الفساد والقتل ليخوض حرباً كبرى في الشام.

وتماشيا مع أحداث نهاية الزمان فإن “داعش” الذي لا يشكل عدد أفراده 0.01 بالمئة من المسلمين إلا أنهم يعتقدون بأنهم يمثلون الإسلام والمسلمين، قد وضع خططه الهادفة لإعادة الخلافة، وتطبيق الشريعة حسب تفسيره في المنطقة التي شكلها بين العراق وسوريا، ويعمل على استعادة هيبة الإسلام من وجهة نظره، ويسعى إلى تحقيق انتصاره عبر توظيف ملاحم نهاية الزمن بالاعتماد على ما تم ذكره في الحديث النبوي الذي ورد في صحيح مسلم عن معركة منتظرة بين المسلمين والكفار يقودها “أصحاب الرايات السود” وتقع في منطقة “الأعماق أو دابق”، في ريف حلب السورية، والتي ستحدد مصير الأمم، وإليها يعود سبب تسمية مجلته الشهرية باللغة الإنكليزية دابق.

أسهمت رمزية هذه المنطقة والرايات السود في جذب العديد من المقاتلين الذين يعتبرونها حربا مكتوبة منذ النشأة الأولى للإسلام، وأنهم الجيل المختار لإعادة الإسلام للقيادة العالمية، فداعش يؤكد أن العلامات على تحقيق النبوءات الواردة بالحديث بدأت مع دخول المقاتلين الأجانب ومع ازدياد عدد الدول التي اصطفت إلى جانب التحالف الدولي في مقاتلته، إذ حسب النبوءة يجب أن تصل إلى 80 دولة عليهم قتالها برا والانتصار عليها في معركة يوم القيامة الأخيرة.

استفاد المتطرفون في كل الأيديولوجيات الدينية من استحضار المقدس والمفهوم العقائدي لعودة المخلّص أو المهدي في القيام بأعمال فظيعة لتصعيد الصدام وحرق المراحل استدعاءً لنهاية العالم وآخر الزمان كعقيدة خلاص لترتيب سلام بشريّ تحمله أياد سوداء لن تنشر سوى الموت الجماعي.

كاتبة ورسامة سورية

9