أيديولوجيا الأحزاب الإسلامية تعجل بنهايتها

أحزاب الإسلام السياسي التي ذاقت طعم السلطة، تتوهّم أنّ الذين صوّتوا لها من عامة الناس، كانوا يصطفّون خلف عقيدتها السياسية، والحقيقة أنهم قد صدّقوا وعودها في الحياة الكريمة، وحين لم يتحقّق ذلك انفضّوا من حولها وتركوها تتخبّط في وهم مفاده، أنّ ثورات الربيع قد قامت نتيجة صحوة دينية وليس لمطالب معيشيّة.
الاثنين 2016/05/30
الناس لا تصوت للأيديولوجيا، وإنما للمشروع التنموي

قال أحد التونسيين، وهو يغالب دموعه لمراسل قناة إخباريّة بعيْد الإطاحة بالنظام السابق في 14 يناير 2011 “كأنّ الإرادة الإلهيّة قد تدخّلت لإغاثة هذا الشعب الطيّب الذي عانى الكثير، وبلا سبب”.

ويبدو أنّ الإسلاميين في تونس ومصر قد تلقّفوا مثل هذه العبارة العفوية، ذات الطابع العاطفي المحض، وطوّعوها لصالح خطابهم السياسي المبني على فكرة أنهم الناطقون باسم “القدر الذي استجاب لشعب أراد الحياة”، ويظنون أنهم المخوّلون بتنفيذ الإرادة الإلهيّة، وقد زادت من غرورهم، تلك الاحتفالات الشعبية ومظاهر الابتهاج العفوية التي تكثر من التهليل والتكبير، كحالة متجذّرة في الوجدان الجماعي لدى التونسيين، الذين يكثرون من الشعارات ذات الطابع الديني حتى في تشجيع الأندية الرياضية.

والذي زاد من توهّم الإسلاميين باتساع قاعدتهم الشعبية هو حالة الترحيب العام لخروج قياداتهم من السجون وعودتها من الخارج، وهي في عمومها رغبة في الوئام والمصالحة الوطنية الشاملة، أكثر منها اهتمام ببرنامجهم السياسي، وقد عمدت قياداتهم أثناء عودتها للبلاد على متن طائرات خاصة ـ وما رافقها من تجميع حشود المستقبلين ـ إلى تمثّل سيناريو الخميني أثناء قدومه إلى طهران في أواخر سبعينات القرن الماضي.

لم نلمح شعارات دينية ولا رايات سوداء ولا لحى سلفية ولا منقبات بين صفوف المتظاهرين والمحتجين في شوارع تونس عشية 14 يناير 2011، بل كانت مطالب صريحة وواضحة بدحر الفساد والمطالبة بالتشغيل والكرامة والحرية من طرف شبان وفتيات ينتمون إلى العصر بكل تفاصيله ومفرداته.

أحزاب الإسلام السياسي في البلاد العربية ـ وعلى الأخص في مصر وتونس ـ اعتبرت وصولها إلى الحكم قضاء إلهيّا وقدرا محتوما، معتقدة أنّ الشعب قد انتخبها لصحوة دينية وهداية ربّانية، واعتبرت نفسها بمنأى عن المسألة المعيشيّة التي قامت لأجلها الثورة، بل وزادت عليها بالمزيد من الإفقار والتهميش والتخبّط في إدارة الشؤون الاقتصادية على أيدي أشخاص لا شأن لهم ولا حنكة ولا تجربة غير الانتساب للجماعة الإسلامية، هذا بالإضافة إلى هدر المال العام وإنفاقه في مآرب تخدم مناصريهم.

الإسلاميون لا يدركون أنّ الهم المعيشي للمواطن يظل على سلم الأولويات، وليست المسألة الدينية

ولم يتوقّف أمر الإفقار والفشل على الجانب الاقتصادي والحنث بالوعود الانتخابيّة، بل وصل إلى التنكّر للمطلب الذي اقترن بمطلب الثورة، وهو الحريات، إذ عمدوا إلى قمعها أكثر من النظامين السابقين في مصر وتونس، حتى وصل الأمر حدّ الترهيب والتكفير واحتلال الفضاءات الثقافية والإعلامية والتربوية عبر ميليشيات منظمة.

وبدأت تتسرّب ثقافة غريبة تهدّد المكاسب المدنية والتشريعية التي تحققت في دولة الاستقلال، وأحسّ المجتمع أنه يمضي إلى الهاوية، خصوصا بعد فتح باب التجنيد نحو الجماعات الإرهابية المسلحة في سوريا والعراق وليبيا، ثم اكتملت الكارثة بسلسلة من التفجيرات والاغتيالات التي طالت زعماء أحزاب كما حصل في تونس.

كل هذه الأحداث التي عبّر عنها أحد قادة الأحزاب اليسارية في تونس بـ”سلسلة الكوارث التي أصابت البلاد من جرّاء حكم النهضة”، شكّلت القطرة التي أفاضت الكأس، فخرج نفس الذين هتفوا لسقوط الأنظمة الفاسدة وطالبوا الحزبين الإسلاميين في تونس ومصر بالتنحّي، وبنفس العبارة المرفوعة في شارع بورقيبة وميدان التحرير وهي “ارحل”.

المشكلة العميقة لدى أحزاب الإسلام السياسي في نظر أحد المحلّلين، هي “عدم قدرتها على فهم لماذا فازت بالأمس ولماذا تخسر اليوم، والحصيف هو الذي يجب أن يعرف لماذا فاز ولماذا خسر وهذه هي السياسة”. الحقيقة هي أنّ أحزاب الإسلام السياسي في العالم العربي “بارعة” في التشخيص الخاطئ ومصرّة عليه، عبر اعتقادها أنّ الجماهير تنتخب العقيدة السياسية وليس البرنامج الاقتصادي والاجتماعي.

الإسلاميون لا يدركون أنّ الهمّ المعيشي والحياتي للمواطنين يظل على سلّم الأولويات وليست المسألة الدينية المتجذّرة في الوجدان الجماعي ويمارسها الناس بالفطرة والسليقة دون حاجة إلى من يعلن نفسه داعية ومقوّما لسلوك المسلمين، وكأنّ الناس كانوا قبل مجيء هؤلاء يعيشون في كفر وضلالة.

الهمّ المعيشي، المتمثّل في ضرورة توفير فرص العمل وخدمات صحية وتعليمية وإرساء الطمأنينة الأمنية، هو الذي يجعل الناس تتقدّم إلى صناديق الاقتراع وتختار حزبا على غيره. المجتمعات العربية والإسلامية أدارت ظهرها إلى أحزاب قوميّة وماركسيّة قبل الإسلاميين، وهي المسألة التي تغيب عن ذهن الإسلام السياسي

13